fbpx
كتاب الراية

خواطر.. ثرثرة…

تعلّمت في المدارس الحكومية أن ديننا يُحرّم الغِيبة والنميمة والتنمّر والتعالي.. وأن الفتنة أشد من القتل

خرجنا من الاجتماع وزوبعة العصف الذهني ما زالت تنفض الغبار عن ثنايا دماغي، كم كنت توّاقة للإدلاء بملاحظاتي وأفكاري أمام مسؤول يلتقطها بمحض الجديّة، يناقشني بها مع فريق العمل، لنتعاون في تحقيق الأهداف والنتائج قدر الإمكان، لكنّ زميلتي لم تكن راضية عن حماسي واسترسالي في البحث لأجد ضالتي.

استأذنت منها طالبة هُدنة صمت وأنا أسجّل مُلاحظاتي قبل أن تُبخّرها بقية الأعمال حتى نهاية الدوام، لكنّها لم تكن تكلّ أو تملّ من الثرثرة، في حياة كل منّا ثرثار أو أكثر بين المكاتب والمجالس.

أريد التركيز يا زميلتي، فتردّ بأنني لا أستطيع حمل أكثر من بطيخة في آن، فأقول ومن ذا الذي يستطيع ذلك دون خسارة إحداها؟

قالت: أريد أن أقول لك ما حدث في الاجتماع السابق حين كنتِ في إجازتك، لا تستهيني بالمدير، صحيح أنّه أبدى اهتمامه بمُقترحك وطلب منك دراسة جدوى، لكنه كان يتكلّم عنك بسلبية فكوني حذرة.

قلت: هل أنت مُتأكدة من ذلك، هل سمعتيه بنفسك يذكر اسمي وينتقد أدائي في العمل، أم أنه مجرد استنتاج؟ لأنني سأسأله وأتأكد منه، يهمني تقييمه لكي أحسّن أدائي.

تغيّرت ملامحها وهي تقول: بل سمعت الموظفين يتكلمون.

قلت: إذن لم تسمعيه بنفسك ولم يتحدث عني أثناء الاجتماع، ولن أسألك من أخبرك، فربما ناقل الخبر لم يسمعه أيضًا، ولم ينتقدني المدير.

قالت: أنا أدردش معك، لديّ مُلاحظاتي فأنا أكثر منك خبرة وهدفي مصلحتك فنحن في نفس الدائرة، ولكنك تأخذين الأمور بجدية أكثر من اللازم.

قلت: وهل من مصلحتي أن أسمع ما يؤذيني ولا ينفعني، مديرنا يتكلم بصيغة مُباشرة ولا يستخدم أسلوب التلميح، ولو كان لديه أي اعتراض أو انتقاد لقاله أثناء الاجتماع، أو من خلال البريد الإلكتروني الرسمي، فلديه مُطلق الصلاحية.

سأخبرك عن درس تعلّمته وأنا أذاكر مع ابني حين كان في الرابع الابتدائي في المدرسة البريطانية، من خلال هذه الفقرة:

(فاز فريق مانشستر يونايتد على فريق ليفربول في مباراة الأمس، وكانت النتيجة النهائية (4:2)، إذ انتهى الشوط الأول بتسجيل هدفين لصالح ليفربول، ما أشعل الحماس في الشوط الثاني لدى مُشجّعي ولاعبي كلا الفريقين، وكان من المتوقع فوز ليفربول الذي صدّ حارس مرماه الكرة عدة مرّات حتى آخر 15 دقيقة قبل نهاية الشوط الثاني، لكن الموازين تغيّرت بعد أن استبسل فريق مانشستر يونايتد واستعاد عنفوانه بتسجيل 3 أهداف مُباشرة، كان رابعها ضربة جزاء في الدقيقة الأخيرة من المباراة، واختلف المُعلّقون والمُشجّعون حول تحيّز الحكم الذي رفع البطاقة الحمراء لهدّاف ليفربول، كما ردّدوا أن لاعبي الفريق الفائز، ربما تناولوا مُنشطات كمشروبات الطاقة، إلا أن ذلك لم يغيّر شيئًا).

استنتج من الفقرة السابقة:

  • نتائج وبيانات.
  • آراء.
  • توقعات.

تخيلي يا زميلتي العزيزة أنه يتوجّب على تلميذ في العاشرة من عمره التمييز بين كل ما سبق، بينما تنقلين لي خبرًا لم تسمعيه بنفسك، مع أنك أعلى مني على السلم الوظيفي، وعلى لسان من؟ مديرنا المُحترم! وليته كان خبرًا حقيقيًّا أو مُفيدًا أو حتى مُفرحًا! كنت أتمنى أن تفيديني بخبرتك لا بآرائك وتوقعاتك.

ماذا تركتِ لأبواق التواصل الاجتماعي ممن يعتبرون أنفسهم وكالات أنباء موثوقة، فيصدّقهم الجهلة، ويُحوّلون ظنونهم وتوقعاتهم إلى حقائق، وآراءهم إلى سُنَنٍ، والباقي نعرفه ونعاني منه بشكل جماعيّ.

أما أنا فلقد تعلّمت في المدارس الحكومية أن ديننا يُحرّم الغِيبة والنميمة والتنمّر والتعالي، وأن الفتنة أشد من القتل، وفهمت ضرورة التحقق مما نسمع، كي لا نقع ضحايا التضليل فنظلم أنفسنا أو غيرنا.

وتعلّمت في مجال الإعلام أهميّة البحث لأجل المِصداقية، وعن تأثير الكلمة في الفرد والمُجتمع، والأهم أنني تربيّت على أن الكلمة مسؤولية، عليّ أن أحسب لها ألف حساب، فكلنا مُحاسَبون.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X