fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. التذمر.. الطريق إلى القلق

الناقمون على كل من عرفهم.. لا ينظرون إلى الحياة إلا بمنظار حالك السواد

يُعجبني الإنسانُ وهو صامت، فإذا تكلم أصبح واحدًا من اثنَين، إما راضيًا بما قسم الله له، وإما ساخطًا على كل ما حوله، وما بين منطقتَي الرضا والسخط يستقر أناسٌ اختاروا هامش الحياة، وتركوها تأخذهم في تيّاراتها المُتضاربة، وهم يُمسكون العصا من الوسط، وغالبًا ما يميلون مع الريح حيث تميلُ.

من رضي بواقعه دون أن يتخلّى عن تحسين هذا الواقع بحِكمةٍ ودون صِدام، فهذا قد نأى بنفسه عن كثيرٍ من السلبيات، وأما الذي اختار المنطقة الوسط، فهذا أيضًا قابلٌ لأن يتحوّل إلى منطقة الرضا في يوم من الأيام، لكن المُشكلة تكمن في المُتذمّرين الساخطين على كل ما حولهم.. الناقمين على كل من عرفهم، لا ينظرون إلى الحياة إلا بمنظار حالك السواد، فالأوضاع الاجتماعية لا تُرضيهم، والأسعار في الأسواق غالية، وكأن هذا الغلاء مُسلّط عليهم دون غيرهم من البشر، والمنزل مليء بالمشاكل دون أن يروا حفاوة زوجاتهم بهم، ولا ابتسامة أطفالهم لهم، وفي العمل تكثر شكواهم من كثرة الأمور التي ينجزونها، وكأنهم يعملون دون أجر يتقاضونه في نهاية كل شهر، وعندما يريدون السفر يتذمّرون من أسعار التذاكر، مع أن العالم مُتخم بشركات الطيران ومكاتب السياحة التي تقدّم أرخص الأسعار، وإذا خرجوا إلى الشارع يتذمّرون من الحر والغبار والمطبّات وزحمة الناس، وكأنهم يُريدون الحياة في المدينة الفاضلة التي لا توجد سوى في خيال الشعراء، وليس في الواقع المعاش، وإذا جلسوا في مجلس شغلوا الحضور بشكاواهم التي لا تعد ولا تحصى، وكأن الحياة قد خلت من الخير، وأن المجالس قد خلت من الأخيار، وهذا ما أرادوه لأنفسهم بعد أن صمّموا على عدم الخروج من منطقة التذمّر والسخط والشكوى من أقلّ الأمور، وأسهلها حلًا على غيرهم.

إنهم لا يرون من الأشياء إلا أسوأها، ولا من البشر إلا من يُشاطرهم التذمّر والسخط والشكوى، وبذلك يُغلّفون أنفسهم بالسلبيات، ويضعون بينهم وبين الإيجابيات سورًا يهون أمامه سور الصين العظيم، لتصبح قلوبُهم في أكنّة وفي آذانهم وقْر، حتى أصبح بينهم وبين الحق حجاب. لأنهم ينسون نِعَم الله عليهم وهي أكثر من أن تُعد أو تُحصى. ونسيان هذه النِعم من المَعاصي التي يرتكبها الإنسان دون تقدير لنتاجها، وقد قيل:

إذا كنت ذا نعمة فارعها

فإن المعاصي تُزيل النعم

وداوم عليها بشكر الإله

فإن الإله سريع النقم

هذه النعم تستحقّ الحمد والشُكر، وبالشُكر تدوم، وما التذمّر والجحود والسخط والشكوى سوى جسور عبور إلى القلق والشك، وضعف الإيمان بالله ثم بقدرات الذات على اكتساح كل شوائب المُنغّصات الحياتية، ومنها، بل وفي مقدمتها، التذمر الدالّ على ضعف الإيمان بما هو مُقدّر للإنسان من خير وشرّ، وقد قيل:

إن شر الجناة في الأرض نفس

تتوخى قبل الرحيل الرحيلا

وترى الشوك في الورود وتعمى

أن ترى فوقها الندى إكليلا

هو عبء على الحياة ثقيل

من يظن الحياة عبئًا ثقيلا

وعندما يصل التذمّر إلى درجة القلق، ترفع الطمأنينة راية الهزيمة أمام طوفان القلق الذي يجتاح راحة البال، واستقرار الحال، لأنه يرفض الرضا بقضاء الله وقدره، ومن دخل دُوّامة القلق لن يسهل عليه الخروج منها، بل ربما تقوده إلى هاوية الضياع في متاهات الحيرة والتردّد في اتخاذ أي قرار إيجابي، يضمن للإنسان حياة هانئة وخالية من المُنغّصات، مع أن العُمر أقصر من أن نضيّعه في التذمر والشكوى، كما يفعل المُتذمّرون من كل شيء، وربما من حياتهم، لدرجة السعي للتخلص من الحياة والعياذ بالله، وهي النهاية الكارثية التي قد يؤدي لها القلق إذا اشتد ليُصبح مرضًا لا نجاة منه إلا بالتدخل الطبي النفسي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X