fbpx
كتاب الراية

خواطر.. مزايا قدرية أم مكتسبة ؟

أما البشر فهم خير خلق الله بما أكرمهم من عقول وبما أمرهم من قراءة وتفكر

فرحنا كثيرًا بنتائج الثانوية العامة وأبهرنا تحصيل بعض الطلاب معدل 100%، فهنيئًا لكل الناجحين بغض النظر عن نتائجهم، هُم اليوم على مفترق الطرق لاختيار المسار الأكاديمي، الذي ثبت أنه بداية المسار المهني، لكنه لن يمنعهم من تغييره بخوض أي عمل يحترفونه أو يستحدثونه.

قد يشترط القبول الجامعي في أي تخصص مجموعًا محددًا، لكن التجارب أثبتت أن الحياة العملية تتطلب الانتباه للنواقص والفرص، وتغذية الشغف والفضول للمعرفة والأداء، فالإنتاج المفيد هو مقياس التميّز، أما النجاح الأكاديمي فهو وسيلة مرحلية لا بد منها.

لا تتحدث عما لديك من شهادات، بل قدم الخلاصة لعائلتك وأصدقائك ومجتمعك في سلوكك الإنساني، وفي شيء قد يفيدهم بشكل أو بآخر. كل منا عبارة عن محصلة معطيات ومواقف تمازجت في كيمياء عقليته وحياته، لتمنحه بصمة استثنائية، ليس مُهمًا إن كان ضمن المشاهير أو المسجلين في قوائم التكريم، إنما الأهم بناء الذات التي ستحاسب على ما أخذت وقدّمت.

مهما كان الإنتاج بسيطًا سيصنع فرقًا وقيمة مضافة، فليس كل ما نحتاجه اختراعًا معقدًا ومكلفًا كالحاسوب والسيارة، من منا يستغني عن فرشاة الأسنان والمشط والحذاء، والقلم، وكأس الماء، والملعقة؟ ما زال عالمنا العربي يستورد ما سبق أو على الأقل يستورد مواد تصنيعه الأولية.

يقول البعض إنه لم يأخذ شيئًا وإنه صنع نفسه بنفسه، حسنًا.. الأخذ ليس بالضرورة ماديًّا، فأفضله هبات ربّانية تشمل الصحة والعقل والأهل والبيئة المحيطة بكل روافدها من استقرار عائلي ومجتمعي بعيدًا عن الحروب والمجاعات والمخاوف المحيطة بالعالم، ومن ثم الحصول على ما يكفي من أموال تضمن استمرارية الالتحاق بالقطاع الأكاديمي وتغطية مصاريف الحياة.

حين نراجع حياة أبرز شخصيات عصر التكنولوجيا مثل ستيف جوبز وبيل جيتس على سبيل المثال لا الحصر، نجد أنهما لم يفلحا في المدارس ولا في التعليم الجامعي، لكنهما قدّما لنا اختراعات تسببت بنقلة نوعية فريدة ومفيدة.

الكمال لله عز وجلّ، أما البشر فهُم خير خلق الله بما أكرمهم من عقول وبما أمرهم من قراءة وتفكر وتدبّر وعمل وعدالة، وسخّر لهم ثروات البحر والأرض والسماء، تكاد المُحرّمات لا تتعدى عدد أصابع اليدين والقدمين، لكن أكثرها ضررًا على النفس البشرية، هو الانتقاص من الآخرين ووصفهم بالغباء وتقبيح آرائهم والتقليل من شأنهم بالنفور منهم أو التعالي عليهم لأسباب عنصرية.

بعض المزايا نعمة من الله ولم تُكتسب بجهد أصحابها، فالإنسان لا يختار جذوره ولا شكله ولا لونه، لذا من المفترض أن يُقدَّر المرء أكثر على ما اكتسب بسعيه، وعلى مواهبه ومهاراته التي اجتهد في تنميتها وصقلها، وعلى اجتهاده في الابتكار، حتى لو اقتصر إنتاجه على لحن موسيقي يعالج دواخلنا، أو نظرية إصلاح اجتماعي أو لقاح من الأمراض، أو أجهزة صديقة للبيئة، أو طرق تعليم جديدة، شيء ما لا بد أن ينتجه كل منا مهما كان بسيطًا، حتى لو كان قولاً مأثورًا نابعًا من تجاربه.

لا حدود للتعلّم والخير والعطاء النفسي والمادي، والله وليّ التوفيق.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X