fbpx
كتاب الراية

ضوء أخضر.. احذروا الشهوات الخفية

المشكلة تكمن في الانجرار وراء هذه الشهوات.. وإخراجها عن حدّ الاعتدال

قرأت ذات مرة أن تحت كل حسنة «ﺷﻬﻮة ﺧﻔﻴﺔ» والمعلوم أن الشهوات ظاهرة مرئيّة، يعرفها ويباشرها كل إنسان بفطرته، دون الحاجة إلى تعليم أو تفهيم، لكنَّ هناك نوعًا آخر من الشهوات، هو في الحقيقة أخطر بكثير من الشهوات الظاهرة الماديّة، مثل الشهوات المتعلقة بالقلب التي إذا تمكنت منه أفسدته، وبفساده أفسدت الجوارح كلها، وهذا النوع من الشهوات المخفية لا يُطفأ بأسباب مادية كما هو الحال في الشهوات الظاهرة، وإنما يحتاج الإنسان إلى مجاهدة ومُكابدة طوال حياته ليقوم بإضعافها، والسعيد فقط من يتمكن من نفيها نهائيًا.

ورأس الشهوات القلبية هو «الرياء»، ذلك المرض القلبي الخبيث، الذي هو كفيل بإبطال عمل الإنسان، بل توعد الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله الكريم أن يكون صاحبه أول من تُسعّر بهم النار يوم القيامة (قارئ القرآن رياءً، المجاهد رياءً، المتصدق بماله رياءً)، وثاني هذه الشهوات هو «الكبر» الذي هو أول معصية عُصي الله تعالى بها من قِبل إبليس لعنه الله بعد أن أمره بالسجود لآدم فقال (أنا خيرٌ منه) وهذه الشهوة كفيلة بأن تُعمي القلب عن إبصار الحق، وثالث هذه الشهوات هي شهوة «الحسد»، الذي هو من أشد الأعمال القلبية انتكاسًا بالإنسان أو هو الذي يأكل حسنات الإنسان كما تأكل النار الحطب، ومن شهوات القلب، شهوة التصدر والظهور ومنافسة الأقران وغلبة الآخرين وشهوة الجدال وغيرها، أنواع عديدة من الشهوات ذكرها العلماء في مؤلفاتهم، لذلك حريٌّ بالمؤمن أن يكون عارفًا بهذه الشهوات، وأن يجاهد نفسه دائمًا على التقليل من أثرها على قلبه، وقد تكفل المولى عز وجل أن يهدي عباده إذا جاهدوا أنفسهم فقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).

وتظهر النفس البشرية في ثلاث حالات وهي النفس الأمّارة بالسوء والنفس اللوامة والنفس المطمئنة، وحينما يتغلب الجانب المادي في صراع وينساق الإنسان وراء شهواته وينسى خالقه، ويتجرّد من كل مظاهر الإيمان يصير كالحيوان، وعند ذلك تكون نفس هذا الإنسان أمّارة بالسوء تورد صاحبها موارد الهلاك، وإذا ما استيقظ ضميره وبدأ في مجاهدة النفس فيغلب عليها تارة وتصرعه تارة أخرى، يعصي الله مرة ويتقرّب إليه أخرى، معلنًا توبته وعزمه على ألا يغضب الله، فذلك صاحب النفس اللوامة، أما حينما تبلغ الشخصية أعلى مستويات النضج والكمال الإنساني، حيث يحدث التوازن التام بين مطالب البدن والروح، فإنها تصبح في هذه الحالة التي ينطبق عليها وصف النفس المُطمئنة التي وعدها الله بجنة عرضها السموات والأرض.

والشهوة لا تشكّل عيبًا يُعاب به الإنسان، باعتبارها سنّة خلقية تلازمه في حياته، إنّما المشكلة تكمن في الانجرار وراء هذه الشهوات، وإخراجها عن حدّ الاعتدال فالاستغراق في شهوات الدنيا، ورغبات النفوس، ودوافع الميول الغرائزية، وعدم التوازن فيها هو الذي يشغل القلب عن التبصّر والاعتبار، ويُشكّل حاجبًا على البصيرة الإيمانية، ويدفع بالإنسان إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة، ويحجب عنه ما هو أرفع وأعلى، ويعطّل الحسّ وأدوات الإنسان المعرفيّة، فيحرمه متعة التطلّع إلى ما وراء اللذة القريبة، ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض، الذي عرّفه الله تعالى أنّه خليفة الله في أرضه.

ومن هنا دعت الشريعة الإسلامية إلى الاعتدال والوسطية في التعامل مع الشهوات، فنهت عن إطلاقها وتحررها بصورة كاملة، كما منعت كبتها وتدميرها، فالدين يدعو إلى ضبط الشهوات وتنظيمها واعتدالها، وإلى تقوية روح التسامي في الإنسان والتطلّع إلى ما هو أعلى.

والله ولي التوفيق،،،

 

أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X