fbpx
كتاب الراية

خواطر.. حظر بطيء

أحيانًا تدفعنا الحاجة للتعامل مع بعض الحرفيين -مُكرهين- إذا كانوا لا يلتزمون بالمواعيد

وصلتني دعابة تقول: «أجواء صيفية رائعة لقطع العلاقات والتبليك المتبادل»، طبعًا التبليك (الله لا يبتليكم) كلمة لا هي عربية ولا هي إنجليزية ولا علاقة لها بالقواميس، وتعني هنا حظر شخص ضمن قائمة الاتصال في الهاتف المحمول، الذي بإمكانه أن يمحوك بلمسة عن وجوه الأصدقاء، الطريف أنهم كانوا قديمًا يطلقون وصف (ممسوس أو ملموس) على من يَعتقدون أن الجن تلبّسه معاذ الله.

أما عن قائمة الاتصال للقائمين على بيوتهم، فتشمل بعد الأهل والأصدقاء المندوبين وشركات مكافحة الحشرات وموظفي الصيانة لكل ما يخطر في البال.

الخياط «بابو» مثلًا أصبح كباقي رجال وسيدات الأعمال له صفحة في إنستجرام وبقية العصابة المنبثقة عن فيسبوك، هؤلاء المهنيون -تحديدًا- لا يمكن حظرهم، هؤلاء لم يعودوا مجرد عمّال كما يظن البعض، بل حِرفيّون لهم عملاء ومريدون يبحثون عنهم ويفتقدون غيابهم.

احتجت يومًا نجّارًا لفك ونقل وإعادة تركيب خزانة داخل المنزل، فأعطتني صديقة موقعه على إنستجرام، أرسلت له رسالة هاتفية مكتوبة، فردّ برسالة صوتيّة قائلًا إنّه لا يقرأ ولا يكتب، فترددت بالاستعانة به، لكني لم أجد بديلًا، فحضر وقام بالمطلوب على أكمل وجه، كنت أراقبه وهو يقيس المسافات بعلامة يضعها بالقلم الرصاص المرتكز على أذنه، كما علّق بعض اللوحات بانتظام تام، ثم نظّف المكان بعد انتهائه وحاسبته وأنا راضية. سألني من أين سمعت عنه؟ قلت من فلانة، فضحك قائلًا: «أنا عملتلها بلوك، لا يعجبها عجب ولا صيام رجب وتحاسبني بقرف»، بقدر ما تعجبت من أُميّته التي لم تجعله ضمن المحتاجين والعاطلين عن العمل، بقدْرِ ما كنت معجبة بعزة نفسه وإتقانه وتقديره لمهنته.

الدنيا مليئة بالمختلفين، فلا طعم للحياة بدونهم ولا توازن، أما عن تصنيفاتنا الاختيارية للفئات الاجتماعية، فلن تُنقص من شأنهم وقدْرهم شيئًا، فهُم يقومون بأعمال صعبة علينا ولا نُجيدها، كصعود الأسطح لإصلاح أعطال في الكهرباء أو شبكة المياه تحت وطأة الشمس الحارقة، عدا أنهم يتعرضون لمخاطر شتى أثناء تأدية أعمالهم.

أحيانًا كثيرة تدفعنا الحاجة للتعامل معهم مُكرهين إذا كانوا لا يلتزمون بالمواعيد ولا يأبهون بالنظافة، فنتعطل لأيام بانتظارهم إن لم نجد البديل، لكننا بلا شك نلغيهم من قائمتنا إن لم ينجزوا المهمات المطلوبة منهم كما يجب.

لكل منّا دور وربما عدة أدوارٍ تُجبرنا الظروف على تأديتها، وكثيرًا ما ننجح، إلا أن ذلك يُشكّل ضغطًا لا يمكن تلافيه، خاصة إذا بانت تداعياته في صحتنا الجسدية ثم النفسية.

لقد أنتجت الدردشة عبر السوشيال ميديا كلمات وأحرفًا ممزوجة تُسمّى فرانكوآراب، وهي لغة مستحدثة وأصبحت رائجة في التعامل، والغريب أنها أصبحت تُستخدم في التسويق الرقمي أيضًا، بالتالي لم تعد مجرد هراء، رويدًا رويدًا سيتم «تبليك» الكتب ذات اللغة الصحيحة والعميقة، بغض النظر عن كونها بالعربيّة أو الإنجليزية أو غيرهما، لأن الأجيال القادمة ستكون قد استحدثت واعتمدت لغة سهلة تُكتب باللمس أو الكلام مع الهاتف الذي يسجل ويكتب نيابة عنا، الأقلام والمساطر لم تعد مهمة، وستلحق الأميّة الإلكترونية الضرر بجيلنا المتعوس إن لم يُحسن اللحاق بالركب!

أمّا عن حملة البلوكات، وغوْغلة المعلومات، وتهكير الأكاونتات، سنظل بحاجة لمن يصلح مضخات المياه والحواسيب، والأبواب المهلهلة و«الويندوز» التي تسرب الغبار؟ وبالتأكيد لن نمارس الرياضة في «كلوب هاوس»؟ ولن تغنينا زيارات سكايب والدردشة مع أصدقاء لم نقابلهم عن الأصحاب والرفاق!

لقد بدأنا نفقد علاقاتنا الفعلية ونحن خلف الشاشات نتسوق وننجز المعاملات، فنحظر أنفسنا عن الواقع دون أن نشعر!

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X