fbpx
كتاب الراية

مداد القلم.. الشورى المنتخب والتدخل الخارجي في العصر الرقمي

ضرورة الوعي بظهور حسابات ودعوات لزعزعة الإيمان بأهمية العملية الانتخابية

الانتباه لتاريخ إنشاء الحساب ونوع الرسالة وتكرارها في حسابات متشابهة

الحذر من روابط الأخبار المفبركة في منصات إخبارية تفتقد المهنية

يجب توثيق الحسابات الشخصية تفاديًا للانتحال والقرصنة

ضرورة الوعي بأهمية المرحلة والمشاركة فيها وإتقان أدواتها وقوانينها

تُعدّ المرحلة الحاليّة من عمر دولة قطر نقطة تحوّل جوهريّة، حيث تدخل أكتوبر القادم أول تجربة للشورى المُنتخَب، الأمر الذي يتطلب ضرورة الوعي بأهمية المرحلة والمُشاركة فيها، وإتقان أدواتها وقوانينها، والوعي بما قد يكتنف أيّة عملية مثلها من تدخّلات ومؤثرات خارجيّة مُحتملة على منصات التواصل الاجتماعي بما أفرزه تعدّدها وطفرتها من تحديّات.

لا شك أن تجربتنا وليدةٌ، لكنها ليست بجديدة على العالم، إذ إن العمليات الانتخابيّة كغيرها لها سهم من أسهم التطوّر التكنولوجي، بل وعليها وزرٌ من أوزاره، ولا يعني ذلك ألا نعتبر من تجارب الدول التي سبقتنا وتأثرت مسيرتها في الانتخابات وما زالت. ففي نهاية يونيو الماضي حذّر رئيس البرلمان الألماني من إمكانية التأثير من الخارج على الحملة الانتخابيّة وتشكيل الرأي لانتخابات البرلمان الألماني المُزمع إجراؤها سبتمبر القادم، ودعا في تصريح لوكالة الأنباء الألمانيّة إلى رفع مستوى الوعي بمخاطر التلاعب والدعاية وحملات التضليل الخارجيّة على وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا التلاعب أثّر على مستويات سياسيّة أكبر مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016 والقرار المصيري في انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي (البريكست) التي جرى فيهما تضليل الناخبين بتسريب البيانات الشخصيّة لـ 87 مليونًا من مُستخدمي الفيس بوك بطريقة غير مشروعة لأطراف ثالثة اخترقت خصوصياتهم، ما أثّر على مسار القضيتين بتكوين اتجاه مُبكّر نحو مرشح محدّد (ترامب) أو موقف مصيري (البريكست). وقد أدّى نشر الصحافة التقليدية للفضيحة إلى رفع دعوى ضد كامبريدج أنالتيكا للاستشارات السياسيّة في بريطانيا لانتهاجها أسلوبًا غير أخلاقي في قياس الرأي العام بل وتعمّد التأثير فيه رغم تعذّرها بغطاء اشتراك بحثي مع أستاذ جامعي في جمع البيانات الشخصيّة. لكن الغاية لا تُبرّر الوسيلة، فقد أدّت الدعوى إلى إغلاقها، واتّهِم الفيس بوك وتمّ استجواب مؤسسه مارك زوكربرغ في الكونجرس وتغريم منصته 640 ألف دولار أمريكي.

منصات التواصل الاجتماعي لم تعد وسائل بل أصبحت شريكًا وطرفًا في زمن الثورة الرقميّة، طرف خطر يسهل التلاعب فيه واستغلاله أو ربما التواطؤ معه. فيس بوك ليس وحده، حيث تشهد منصات عدة استثمارًا واستغلالًا من جهات عدّة ذات مصالح معينة.

2016 أقرّت منصات فيسبوك وتويتر بالتدخّل الروسي في الانتخابات الأمريكية، لكن في 2018 نشر مشروع الدعاية الحاسوبية التابع لجامعة أوكسفورد وشركة «غرافيكا» تقريرًا عن تورط روسيا في استخدام «يوتيوب»، «تامبلر»، «إنستجرام»، «باي بال» و«غوغل بلس» في حملة لوكالة أبحاث الإنترنت الروسية وصفتها المُخابرات الأمريكية ب «لجان إلكترونية لتوجيه الرأي العام» استخدمت تقنيات مُحدّدة لتوجيه الجمهور برسائل مُخصصة لدعم اتجاهها.

  • التدخل الخارجي في الانتخابات العربية يهدف لإحداث شروخ في بنية المجتمع

التدخل الخارجي في الانتخابات في دولنا العربية يحدث أيضًا بأشكال عدة بهدف التسلّل الخارجي إلى النسيج الداخلي للمُجتمع لإحداث شروخ في بنيته المُتراصّة والمُتناغمة من خلال بثّ نعرات طائفيّة أو عرقيّة أو قبليّة على وسائل التواصل عن طريق حسابات مجهولة أو مُعرّفة ذات تأثير، أو من خلال تضليل بعض الحسابات الداخليّة لتشكيكها في قناعاتها وبالتالي إحداث بلبلة لدى المُتابعين.

  • حملات التدخل الخارجي تستهدف الجمهور في المنصات الأكثر استخدامًا مثل «تويتر»

التدخّل الخارجي غالبًا ما يوجّه حملاته بتكتيك لاستهداف الجمهور في المنصات الأكثر استخدامًا في كل قطر وفقًا لخصوصيات المُجتمع وهي في الخليج -ومنه قطر- «تويتر» و»سناب شات» و «الإنستجرام» إذ هي الأكثر استخدامًا لدى المواطنين – أي الناخبين – ومن ثمّ تأخذ دورتها في برودكاست «الواتس آب» الذي يُشكّل استخدامًا عاليًا لدى كل فئات المُجتمع.

  • المنصات مرتع لبث استطلاعات مزورة لتضليل الرأي العام وفق أجندات خارجية

كما تُشكّل المنصات مرتعًا خصبًا لإخفاء الهُويّات لبثّ سياقات موجهة ومُكرّرة ونشر معلومات مُضلّلة وبث شائعات واستطلاعات مزوّرة لتوجيه أو تضليل الرأي العام في أجندات مُسيّسة عن طريق حسابات وهمية أو خلايا إلكترونية منظمّة (الجيوش الإلكترونية) (Bots) من قِبل أطراف خارجيّة موجهة نحو قضايا معينة تعمل على التحريض ونشر الدعاية السوداء وبث الفتن وإذكاء خطاب الكراهية، أو حتى بروزها للانبراء لكلّ نشر إيجابي في ردود مضادة مصمّمة ومَصُوغة بدقّة ومُكرّرة في أوركسترا منظّمة لحرف مسار الرأي وفقًا للبيئة السياسية والاجتماعيّة وخصائص ومزاج الناخبين في أي مُجتمع، ما يُشكّل خطرًا على العملية الانتخابيّة والخصوصيات المُجتمعيّة وسلامة النسيج الاجتماعي وعلى الأمن القومي.

لذلك يجدر الوعي التام وإعمال الحسّ النقدي بأنه مع انطلاق الحملات الانتخابيّة يتزايد في منصات التواصل ما يأتي:

– ظهور حسابات ودعوات لزعزعة الإيمان بأهمية العملية الانتخابيّة وتثبيط الهمّة عن التصويت ونشر حالة من الارتباك والتشتيت والتشكيك في أهميتها.

– تصاعد في تكوين الحسابات الجديدة التي يتعيّن على الجمهور التنبّه لها في خاصيّة “creation date” تاريخ الإنشاء التي تعتبر مع «المصدر ونوع الرسالة وتكرارها في حسابات متشابهة» إحدى أدوات كشف حسابات الدعاية Bots and Trolls .

– تضليل الرأي العام بإطلاق الشائعات على مواقع التواصل لشموليتها وسرعة النشر فيها حتى فيما يتعلق بنشر روابط أخبار مفبركة في منصات إخبارية تفتقد المعايير المهنيّة الصحفيّة أو حتى صور وفيديوهات مُفبركة (فوتوشوب) بغية التأثير على سير العملية الانتخابيّة.

– تعرّض حسابات وبريد المُرشحين والحملات أو حتى الناخبين والمؤثرين المشهورين للانتحال أو القرصنة الإلكترونيّة للتعطيل أو تشويه الرسائل.

أثر الخارج على الداخل أمر ليس بجديد، لكنّه بات أشدّ ضراوةً، لذلك ما فتئت الديمقراطيات القديمة تُحذّر منه، لذلك عاد رئيس البرلمان الألماني الأسبوع الماضي مع قرب الانتخابات لينبّه مُجتمعه بما قد يحيطه بقوله: «إنه في حملات التضليل داخليًا، يتعيّن على المجتمع أن يركز بشكل متساوٍ على المعلومات والثقة وقوة النقاش النقدي، علينا أن ندرك الخطر» . فإذا كان ما أسماه خطرًا على التجارب العريقة، فإنه بلا شك أكثر خطورة على التجارب البكر التي تُعدّ للدول بدايات تسترجي معها كل مقوّمات النجاح.

  • اعتماد المصادر الموثوقة وتمحيص المنصات التي نتابعها
  • التدقيق في (مَن) نقرأ له.. وفي (ما) نستقبله.. وفي (كيف) نستقبله

فيجدر بنا اعتماد المصادر الموثوقة وتمحيص المنصّات التي نتابعها وفضح أدعياء الإخباريّة منها، والتدقيق في (مَن) نقرأ له، وفي (ما) نستقبله، وفي (كيف) نستقبله، وفي (تصنيف/‏‏‏فلترة) آلية إعادة نشره، مع ضرورة توثيق الحسابات الشخصيّة تفاديًا للانتحال والقرصنة.

  • الوعي الجماهيري للمرشحين والناخبين وعدم الانسياق وراء مُضللي الرأي العام

ويبقى دور الوعي الجماهيري للمُرشحين والناخبين وخصائص مُجتمعاتنا، هو ما نراهن عليه جميعًا في ضرورة عدم الانسياق وراء مُضللي الرأي العام، وفي استفادتنا من تجربة الوعي الرقمي الذي شكّل الذاكرة القطريّة في سنوات الحصار التي يجب أن تكون قد قادتنا إلى النضج السيبراني.

 

إعلامية وأكاديمية قطرية

دكتوراه في دور الإعلام الاجتماعي في الحراك السياسي

والتحوّلات الاجتماعية والسياسيّة في منطقة الخليج العربي

 _Twitter: @medadalqalam

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X