fbpx
كتاب الراية

ضوء أخضر… اجتنبوا كثيرًا من الظن

ديننا الإسلامي يدعونا إلى حسن الظن بالناس.. لأن السرائر لا يعلمها إلا الله

يؤدّي سوء الظن إلى زوال الثقة بين الناس، وعندما تزول الثقة، فإنّ عملية التعاون والتكاتف في المُجتمع البشري ستكون عسيرة للغاية، وسوف يتبدّل حال الناس، لأنه بسبب هذا السلوك الخاطئ سيعيش الأفراد حالةً من الغربة والوحدة، وتجنّب الآخرين بقدر الإمكان، لأنهم سيتحرّكون في تعاملهم من مواقع الريبة والشك والتآمر ضدّ الآخر.

ولهذا السبب، فإنّ الإسلام، اهتمّ بهذه المسألة اهتمامًا بالغًا؛ فنهى بشدة عن سوء الظن، الذي يعتبر مرضًا أخلاقيًا، ومن الخصال المذمومة والقبيحة، التي تؤدّي إلى الشك وعدم الثقة، وهو مؤشر خطير يقضي على ترابط المُجتمع وتماسكه، ومنعَ الدين الإسلامي الأسباب التي تورث هذا السلوك لدى الأفراد، وعلى العكس من ذلك، فإنّه مدح وأيّد بشدّة حسن الظن الذي يفضي إلى زيادة المحبّة والاعتماد المُتقابل والثقة بالطرف الآخر؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ المُسلِمِ دَمَهُ وَمالَهُ وَعرضَهُ وَأَن يظنَّ بِهِ السُّوءَ).

لذلك يدعونا ديننا الإسلامي إلى حسن الظن بالناس، والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم والشك فيهم؛ لأن السرائر والدواخل لا يعلمها إلا الله تعالى وحده، ويقول المولى عزّ وجل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»، فسوء الظن والشك يؤدّي إلى الخصومات والعداوات، بل تقطع الصلات بين الناس، وليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حُسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المُقلقة التي تؤذي النفس.

فمن الواجب على المُسلم أن يُحسن الظن بإخوانه، وأن يحمل ما يصدر عنهم من قول أو فعل على محمل حسن، ما لم يتحوّل الظن أو الشك إلى يقين جازم، فالله عز وجل أمرنا بالتثبت فيما يصدر من الآخرين نحونا ونحو إخواننا، في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»، فكم أوقع سوء الظن من فراق بين المُتحابين، وقطيعة بين المتواصلين، وأدّى إلى نتائج لا تُحمد عقباها، ولكي نجتنب سوء الظن بالناس والشك بهم علينا إصلاح أنفسنا، لأن سوء الظن في الأساس يرجع إلى أسباب نفسية واجتماعية يعيشها الفرد خلال حياته اليوميّة، وبالتالي يكون قد صوّر في داخله صورة سلبيّة عن المُجتمع، فيراه عدوانيًا وسلبيًا، لذلك تكون ردة فعله الداخليّة والنفسيّة تجاه الآخرين سلبيّة، فلا يتوقع منهم سوى السوء، ما ينعكس على حياته وعلاقاته، فقد يتحوّل إلى انطوائي وغير مُتفاعل، حيث إن توقعاته الداخلية المُسبقة للأحداث تُبعده عمن حوله.

وبلا شك أن الذي يعيش سوء الظن لا يجد الراحة والاطمئنان في علاقاته مع الآخرين، ويخاف من الجميع، وأحيانًا يتصوّر أنّ جميع الأفراد يتحرّكون للوقيعة به ويسعون ضدّه، فيعيش في حالة دفاعيّة دائمًا، وبذلك يستنزف طاقاته بهذه الصورة الموهومة، والخطر كل الخطر يكمن في التسرّع بإطلاق الأحكام على الآخرين دون التقصي والبحث عن حقيقة مواقفهم، فالمريض بمرض سوء الظن لا يكلف نفسه بالبحث والتقصي، بل يُطلق أحكامه ويرمي اتهاماته جزافًا، ويظن أنه هكذا حلَّ المشكلة، وهو لا يدري أنه قد هدم فطرته وصفاءه ونقاء سريرته قبل أن يهدم جسور الثقة والتواصل والمودة مع الآخرين، وقد تحصل غالبًا أن تكشف الأحداث الحقائق ويتضح لهذا المريض أنه مُخطئ في اتهامه وتقييمه بسوء ظنه، وأنه كان مُخطئًا فيصبح طريق العودة صعبًا، خاصة مع الأحباب ومن كانوا يكنّون له المودة والاحترام والتقدير.

والله ولي التوفيق،،،

أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X