fbpx
المنتدى

القنوات الناطقة بلغة الضاد.. أين المشكلة؟

بعث وسيلة إعلامية من الألف إلى الياء أهون من بعث وسيلة قائمة من مرقدها

بقلم – سليم عزوز

 لم يحرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على حضور افتتاح أي قناة من شبكة «تي آر تي» إلا القناة العربية، وهو أمر له دلالته، لكن هذا الاهتمام لم يمنع من فشل القناة إلى الآن، ليكون السؤال أي قناة عربية موجهة نجحت، لتنجح القناة التركية؟!

فقد شهد الأسبوع الماضي تغييرات واسعة في إدارة شبكة تي آر تي، وذلك بعد وقت قليل من تغييرات سابقة، حدث على إثرها أن توقفت القناة عن البث، في انتظار الانطلاقة الكبرى، لكنها لم تكن على المستوى المأمول، رغم الإمكانيات المالية التي توفرت للتجربة لها، وتأتي التغييرات الجديدة لتمثل اعترافًا ضمنيًا بالفشل، لكن قد يعذر القوم أن القنوات الموجهة الناطقة بلغة الضاد في عواصم غربية لم يحالفها الحظ!

فقد رأت أكثرية هذه العواصم ضرورة أن تخاطب المواطن العربي، فكانت قناة «الحرة» الأمريكية، التي قيل إن من أهدافها غسل السمعة الأمريكية، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأطلقت فرنسا قناة «فرانس 24»، كما أطلقت برلين قناة ألمانية ناطقة باللغة العربية، بجانب قناة «بي بي سي» التي تبث من العاصمة البريطانية!

وقد اشتدت الرغبة الغربية في مخاطبة العالم العربي بلغته بشكل أكثر وضوحًا بعد الربيع العربي، وكان يمكن لهذه القنوات، أن تسد فراغًا يرجع السبب فيه إلى الاستبداد العربي، الذي حاصر قناة الجزيرة مثلًا، لأنه لا يمكن ليد مستبد أن تمتد إلى قناة غربية، إلا بتواطؤ مدفوع الأجر من الدولة المالكة، مثل الصفقات التجارية التي حولت بعض القادة الغربيين إلى سماسرة يعملون من أجل «العمولة» التي قد تصلهم سرًا. وإن كنا لم نر ضررًا وقع على هذه القنوات، لأنها أصلًا لم تفعل شيئًا، وشاهدنا التحرش بالقناة البريطانية، الذي لم يتجاوز إلى التنكيل، لكن الإدارة كانت طيعة فاستبدلت مديرًا بمدير في هذه العاصمة أو تلك، لأسباب غير مهنية، ولا تستهدف سلامة الطواقم الإعلامية، بقدر ما تعمل على الحفاظ على العلاقات بين القيادات الوسيطة بالقناة والأجهزة الأمنية!

وبدلًا من أن تكون مكاتب القنوات التلفزيونية في عواصم الاستبداد دليل قوة للوصول إلى المعلومة، والحصول على السبق، صارت أدوات ضعف، يمكن بها الضغط على هذه القنوات، وقد لا يتعدى الضغط القائمين على المكتب، وهم أصحاب مصلحة في استمرارهم الوظيفي، وصارت هذه المكاتب يد المحطات التلفزيونية «الموجوعة» التي تُمسك منها، لتذكرنا بحالة باكستان عندما خضعت بالقول والفعل للأمريكيين في السابق وقيل وقتئذ إنهم يخافون على القنبلة الباكستانية، ليتحول الأمر إلى نكتة، فالقنبلة صنعت لتخيف أم ليخاف عليها من الهواء العليل، وكذلك مكاتب الفضائيات؟!

ومهما يكن، فنقطة ضعف القنوات الغربية الناطقة بلغة الضاد، هي في هذه الاختيارات للمناصب العليا، لأسباب غير مهنية، وممن يتعاملون مع الوظيفة على أنها ليست أكثر من وسيلة لأكل العيش، بل قد يفتقدون بداخلهم هذا الإيمان بالرسالة، لاسيما إذا تعارضت الرسالة، مع سلطة الوطن الأصلي لهذه القيادات، فتتم تقديم المصلحة الخاصة على حساب مصلحة القناة، التي يبدو ممثل المالك فيها -لأسباب مرتبطة بعائق اللغة- كالأطرش في الزفة، فلا يعرفون إن كان موظفوهم مخلصين للرسالة الإعلامية أم لا؟، ولا يعرفون -كذلك- إن كانوا قد نجحوا في المهمة أم لم يحالفهم الحظ؟، وهذا العائق اللغوي وغيره قد يجعلهم ألعوبة، نذكر لها مثلاً للتقريب!

في كتاب «يوميات بعثي سابق»، كتب صديقنا سليمان فرحات، كيف أنه كان مسؤولًا عن الإذاعة المصرية التي كانت تبث من بغداد، لمنصبه الحزبي وثقة القيادة البعثية فيه، وذلك في نهاية حكم الرئيس السادات، وكيف أن وضع الكاتب الساخر محمود السعدني كان يغيظه، لأنه كان يدخل من الشارع على الأستوديو بدون إذن أو سلام، ليسجل حلقته وينصرف.

وقد استغل فرحات تعليقًا للسعدني على مباراة بين الأهلي والزمالك في هذه الليلة وقد انحاز الكاتب الكبير لأحد الفريقين، فاستغلها فرحات فرصة ليبلغ القيادة العراقية، إن الرسالة تسيء لهم لدى الشعب المصري الذي ينقسم إلى شعبين أحدهما يؤيد الأهلي والثاني يؤيد الزمالك والانحياز ضد أي فريق يعني خسارة نصف الشعب!

وهنا تدخلت قيادة البعث، وأوقفت البث المباشر لكلمة السعدني اليومية، وكان القرار أن تخضع للتسجيل ولرقابة مدير الإذاعة الذي يجمع بين الحسنيين: الإخلاص لمبدأ البعث، والوعي بطبيعة الشعب المصري!

ورغم أن تجربة هذه الإذاعة عربية، وتنطلق من عاصمة عربية، إلا أنه أمكن التلاعب بالقوم في حزب البعث لأسباب مرتبطة بالخوف على مكانة البعث في مصر، ويمكن القياس على هذه التجربة في عواصم الخواجات!

ويرجع الفشل في بعض هذه التجارب، لسيطرة الأيدولوجيا وغياب المهنية، فهل يعقل أن قناة «الحرة» تبحث عن التواجد في العالم العربي، ثم تستعين بأصحاب الخطاب الديني الذي يصدم الرأي العام العربي، لتكون الرؤية الدينية المعتمدة هي التي يقدمها إبراهيم عيسى، وإسلام بحيري، وغيرهما ممن هم ليسوا على شيء، ولا يعرف المرء قيمة رسالة إعلامية تتحدى المشاهدين، في وقت تريد الوصول إليهم!

وكذلك الأمر بالنسبة ل «فرانس 24» التي تستضيف نكرات، تمت صناعتهم في «علب الليل» ليتحدثوا في قضايا فكرية عميقة مثل الموقف من العلمانية، ومن الحجاب، فهل تجهل المذيعة، وطاقم الإعداد ببرنامجها الحد الفاصل بين الرأي والهذيان التي تقوله ضيفتها من القاهرة؟ أم إنها الإيديولوجيا الغلابة؟، ولماذا لا يكون التعبير عنها بواسطة متخصصين حقيقيين إذا كانت موضوع الساعة، وكما كان يفعل برنامج «الاتجاه المعاكس» في بدايته لتكون المواجهة بين قامات في حجم محمد عمارة وحجم نصر حامد أبو زيد؟

ومع ذلك، فإن هذه القنوات فقدت ما يمكن أن يميزها ويعد دليل قوتها، فلا تقدم الألمانية ألمانيا للمشاهد العربي، ما دامت عجزت في التعبير عنه، وتتفوق قناة الجزيرة على الحرة في تغطية الانتخابات الأمريكية، أما فرنسا بلد الجن والملائكة فغائبة تمامًا عن «فرانس 24».

لكن القناة التركية الناطقة باللغة العربية مختلفة، لأن الفكرة التي تنطلق منها تتوافق مع رغبات المشاهدين، ولهذا فإن أي أخبار عن تركيا أو أي مقالاتك عنها هي الأعلى قراءة في الصحف والمواقع، الأمر الذي يؤكد أن الفشل له أسبابه الموضوعية!

كان الله في عون الإدارة الجديدة، فبعث وسيلة إعلامية من الألف إلى الياء، أهون من بعث وسيلة قائمة من مرقدها..

إنها المهمة الصعبة.

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X