fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. التصوير بين الأمس واليوم

الصور المحفوظة بين دفتي الألبومات.. تاريخ مصور يعرّف الأجيال التالية بما كان سائدًا

قبل أن تطالنا التكنولوجيا، وتصبح تلك الأجهزة الغازية والمُتحكمة في أمزجة البشر وأوقاتهم وعلاقاتهم، وتشريع البوابات المُحكمة الإغلاق، وتركها مكشوفة للسائرين والباحثين عن الإثارة والمتعة، كان التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو مُقتصرًا على عدد قليل من البشر، الذين هم من هواة التصوير، أو من المُصوّرين المُحترفين، وقد انتشرت في تلك الحقبة الزمنية، محلات بيع الكاميرات الفوتوغرافية، مع الأفلام المناسبة لها، والفلاشات المستهلكة، واستوديوهات التحميض وإظهار الصور وطبعها.

كانت الأفلام تقتصر أحيانًا على أربع وعشرين صورة فقط أو ست وثلاثين صورة، ولم يكن هناك من يمتلك الكاميرات الجيدة، أو يمارس هواية التصوير إلا القليل، فكانت حصيلة تلك اللقطات عبارة عن كنوز للحظات ومواقف وذكريات لن تتكرر ولن تعود مرة أخرى،

لذلك كانت الأسر تحتفظ بمجموعات كبيرة من الصور المطبوعة والملوّنة أو بالأبيض والأسود، لأفراد العائلة والأصدقاء، وللمُناسبات الخاصّة بها، كالأعياد والأعراس، وغيرها.

وكانت تلك الصور المحفوظة بين دفتي الألبومات، تاريخًا مصورًا يُعرّف الأجيال التالية بالكثير مما كان سائدًا في حينها من أزياء، وأماكن، وتجمعات، وغيرها، فهي تاريخ يروي تطوّر تلك الأسر والعائلات التي كانت تحافظ فعلًا على هذه الصور، وتلك الذكريات الحميمة، التي أصبحت بين طيات النسيان.

فقط تلك الصور المحفوظة هي التي كانت تشيع الحنين في الكثير من البشر، ممن يحاولون الرجوع إلى تلك الصور بين فترة وأخرى.

فالتصوير لم يكن مجرد صور فقط للزينة، أو للديكور، بل كانت تواريخ وذكريات وقصصًا وحكايات مضت في حال سبيلها، ولم يبقَ منها إلا تلك اللقطات القليلة، والنادرة أحيانًا، لنلتقي فيها بمن سبقنا ورحل عنا حتى دون أن نلتقي ببعضهم، أو نتعرّف عليهم.

وهذا ما يحدث الآن في زمننا هذا، حين ننفض الغبار عن تلك الألبومات المحفوظة، لنعرّف هذا الجيل والأجيال اللاحقة ببعض الشخصيات، من الأجيال السابقة، وكذلك أسلوب الحياة حينها من سكن وأثاث بسيط، وصداقات اندثرت مع الزمن، وعيون شاخت ومرّت بها السنوات، وقلوب لا تزال تحن وتشتاق لنظرة أو همسة ممن غادروا دون موعد.

اليوم، وفي هذا العصر الذي أصبح التصوير عادة لا هواية، وعروضًا، لا ذكرى، وتنافسًا لا هدف منه ولا فائدة.

فقد غزت التكنولوجيا بكل حسناتها وسيئاتها جيوبنا، ومحافظنا، وحقائبنا اليدوية، واستولت على كل لحظات الراحة والاسترخاء والفراغ، والعمل أيضًا، خاصة أنها تحمل لنا العالم في جهاز واحد أصغر من قبضة الكف، ولا يتوقف رنينه طوال النهار والليل، ولا يتوقف إرسال الرسائل واستقبالها لحظة واحدة، ولا يقدم أي طبق للأكل إلا وانتشر في كل مكان، ولا يصدر خبر أو إشاعة من أحدها إلا وانتشرت تلك المعلومات في كل مكان من الكرة الأرضية، انتشار النار في الهشيم.

الجميع الآن يحمل كاميرا متنقلة للصور والفيديو، وتسجيل كل اللحظات، المهمة وغير المهمة، الصالحة وغير الصالحة، وأصبحت الهواتف النقالة مليئة بالصور المختلفة من كل بقاع العالم في شتى الأمور وشؤون الحياة، حتى أصبح الفرد منا يعرف ما الذي يحدث ويدور في بيوت الآخرين، فلم تعد هناك خصوصية، أو احترام لهذه الخصوصية.

هذا بخلاف الصور المشوّهة التي يتم تبادلها، لتكون سياطًا وجحيمًا على أصحابها، الذين لا يراعون الدين ولا القيم ولا العرف والتقاليد، لبث الفضائح والمناظر غير المحتشمة، والتباهي بها عبر منصات التواصل بكل أنواعها.

قديمًا، كان الأفراد الكبار يقولون «إن الهاتف هو المدمّر الأول للبيوت» فما الذي سيقولونه الآن لو أتيح لهم طول العمر، ليواجهوا الدخيل المدمّر في الجيوب وفي كل الأيادي، صغيرة وكبيرة، لا تفرق بين أنثى وذكر.

إنه عصر التكنولوجيا، الذي بدأ رغم إيجابياته عصر كل قيمنا وأعرافنا ومبادئنا بين أسنان الغيبة والنميمة والإشهار.

«فرفقًا بالقوارير» ورفقًا بكل أنواع الخزف والكريستال والسيراميك، فهي تحمل بعضًا منا، ومن أسلافنا، وعقيدتنا وأعراقنا الكريمة.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X