fbpx
كتاب الراية

خواطر.. إنسانيات في عصر الرقمنة

تلك الأخلاقيات من صميم الدين الإسلامي.. وأحد الجوانب الحضارية

منذ أكثر من عشر سنوات، وأنا أحاول إقناع والدتي بضرورة حصولها على بطاقة صرّاف آلي، كانت ترفض بحجة أنها ربة أسرة قلّما تخرج ولا تحتاجها، فهي مفتاح الإسراف، ولا تُغنى عن الأوراق النقدية لدفع مستحقات العمالة المنزلية، والمصاريف اليومية، والعيديات، وغيرها، بينما أخبرها أن البطاقات المصرفية لم تعد مقتصرة على أحد، بل أصبحت من الأساسيات.

بدت أمّي متوترة جدًا حين رافقتها للبنك الذي لم تدخله قط، أخذتُ رقمًا وأنا أشرح لها كل خطوة أقوم بها، وحين ظهر رقمها على الشاشة، لاحظ الموظف أنها سيدة كبيرة، وقام لاستقبالها، تفضلي استريحي وطلب لها كوب ماء، هو ما زال واقفًا من باب الأدب والاحترام ولسانه يَقْطر رحابة «حياك الله، شلونك يُمّا، عساك بخير! آمري، أي ما المطلوب؟» رغم أننا نقابله للمرة الأولى، لكنه تصرف باحترافية كسرت الجليد وخففت توترها.

ثم بادر بشرح مزايا البطاقة التي ستمنحها حرية الشراء أو سحب النقود أينما كانت سواء داخل البلاد أو خارجها، وأحضر الأوراق اللازمة للتوقّيع، وبعد تسليمها البطاقة مشى معها إلى جهاز الصراف الآلي وشرح لها كيفية الاستخدام، فبدت مرتاحة بعد أن استطاع ذلك الإنسان المهذب احتواءها وتبديد مخاوفها الطبيعية، شكرناه وغادرنا وهي تردد الله يكثر من أمثاله ويجزيه ووالديه خيرًا.

تربية الوالدين للأبناء أساس التعامل، يتبعها تدريب الموارد البشرية لصقل المهارات وتهيئة الشخص لتأدية دوره كإنسان أولاً ثم كمتخصص يعي مسؤوليته، ومن الإنصاف أن أُشير إلى باقي الدوائر التي اصطحبتُ والدتي إليها قبل أن تصبح أغلب المعاملات عبر الإنترنت، هناك نظام مدروس لاستقبال العملاء وإرشادهم باحترامٍ وفق معاملاتهم.

وتلك بعض المزايا التي نحظى بها في دولة قطر، كحُسْن التنظيم والاستقبال في دوائر القطاع الحكومي والخاص، التي تحترم المواطن والمقيم، وتضع في اعتبارها توظيف وتوفير ما يلائم كبار السن وذوي الإعاقة، وتلك الأخلاقيات من صميم الدين الإسلامي، وأحد الجوانب الحضارية التي تُميّز الدول المتقدمة.

منذ التحول الرقمي الإلكتروني، والبشر في كل العالم قيد المتابعة، فالسداد عبر البطاقة البنكية مسجل بالوقت والمكان والأسماء، كذلك التحويلات والغرض منها، وعلاقة المُرسل بالمُستَلِم، وغالبا ما تكون لسداد فواتير مستحقة للمؤسسات التعليمية وشركات التأمين والصيانة، وبالتأكيد أموال تنتقل بين الآباء والأبناء وربما غيرهم، ولا تعلم الأجهزة الفرق بين والد يصرف على ابنه أو ابن يبرُّ والديه، ولا يخلو الأمر من أداء الزكاة، أو تقديم صدقة، أو معونة، أو دَيْن شخصي، فشكرًا للتكنولوجيا على هذا التجاوب الفوري.

كلّما كبرنا اختلفت أحوالنا وازددنا حرجًا وارتباكًا أمام التغيير، وازددنا حاجة لدِفء التواصل الشخصي مع الطيّبين، الذين يتمتعون بذكاء عاطفي يمنحهم القدرة على الاحتواء، الذين يلمسون عزة النفس فيكتفون باستجدائنا الصامت، أولئك النُبلاء الذين يتجاوبون معنا برأفةٍ قائلين لا بأس عليكم، أبشروا خيرًا.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X