fbpx
المنتدى

معمول الأسرى

الفرح بالعيد سنة مؤكدة لدى الأسرى الفلسطينيين وكسر لإدارة مصلحة السجون الإسرائيلية

بقلم – أحلام التميمي

للوهلة الأولى، قد تظنّ أنّ معمول العيد عند الأسرى يُشبه المعمول المُتعارَف عليه، وفي الحقيقة فهو معمولٌ مصنوع بعرق الصمود، والصبر، والشوق، والكثير من الأمل، ومجبول بماء الحزن والوجع والآه، وليلة كل عيد في السجون الصهيونية، التي يقبع فيها حاليًا قرابة الستة آلاف أسير وأسيرة، تتحشرج الدموع في الحناجر، وتدفن قسرًا، كي لا يؤلم أحدهم الآخر، ولا تفسد الفرحة بالعيد.

لك أن تتخيل عزيزي القارئ، كَمّ الوجع الذي يُعشعش في خوالج الأسرى، فالعيد يعني لهم العائلة، وصلاة العيد، معمول الأم والزوجة، وحلويات الدار، والسلام على الجار، والحمد لله مع كل الله أكبر، لك أن تتخيّل كيف يشتقّون فرحة العيد رغم وجع الزنزانة، وقسوة الجدران، وضيق المساحة، وكثير من عيون الرقيب الصهيوني تُحاصر فرحتهم، كي تئدها قبل ميلادها.

يوم وقفة عرفة، يقرّر غالبية الأسرى والأسيرات الصيام، ليتميّز هذا اليوم بتكثيف الدعاء، علّها ساعة استجابة، يحمل كلٌّ سبحته، يردد الله أكبر، والمدقق بطريقة التسبيح، يجد حركتها سريعة تارة، وبطيئة تارة أخرى، وهذا إن دلّ فإنما يدل على مستوى تضارب صور الخيال في ذهن الأسير، التي تأخذه أثناء التسبيح للذكريات، هناك حيث كان لراحة البال عنوان واحد وهو البيت، وحرية الجسد، وكأنه يقول: «دعيني يا حبات سبحتي أقلّبك بأناملي، أربط حبل الوصال الروحي، وأبوح بهمي، بألمي، بجميع أوجاعي».

مشهد آخر لأسير في يوم عرفة، يسجد طويلًا دون قيام، يخيّل لك أن الله توفاه وهو ساجد، لتقترب منه، فتستمع لكلام الدموع، فلدموع الأسرى لغة محكيّة، وبوح الساجدين بين يدي الرحمن، حيث لا قضبان ولا سجان ولا قيود، يحلّق الأسير بكل ما فيه، مُتناسيًا المكان، ويترك لعنان البوح المجال، فتفيض الدمعات سكبًا، وتُنفَث الآهات من الأعماق، لتذوب في الكون، وتصعد نحو باريها.

ما زال صوت الأسيرة المحرّرة قاهرة السعدي، يتردد على مسامعي كل عيد رغم حريتنا، كانت في زنزانة رقم 2 في سجن الشارون، وقفت ليلة العيد على نافذة زنزانتها، وبدأت تبارك لأولادها بالعيد عبر الأثير، بصوتٍ مُرتفع تقول: «كل عام وإنتو بخير يمة، كل عيد وإنتو سالمين يا حبايبي»، ثم بكت طويلًا وأبكتنا، فشوق الأم الأسيرة يضاعِف شوق العازبة، بحكم مشاعرها وفطرة الأمومة بداخلها، وقلبها المفصول عن جسدها، فالجسد مأسور، والقلب مُتعلّق بنسيم الأبناء، المشهد الذي يحملنا تلقائيًا للأسيرة الأم خالدة جرار، التي توفّى الله ابنتها سهى قبل أيامٍ معدودة، وتُرك لها عيد مبتور، ليس للفرحة مكان فيه، لا سيّما بعد أن حرمها السجان وداعها، في استهداف مُتعمّد لقتل المشاعر في المواقف الحساسة، لتبدأ خالدة جرار معركة من نوع مختلف، عنوانها دفن الدموع، ورفع الرأس رغم قهر قلب الأم.

رغم كل الوجع، وقسوة المؤبد ومرور السنوات الثقيلة، يأبى الأسرى والأسيرات إلا أن يفرحوا بالعيد، فالفرح سنّة مؤكّدة، والفرح مقاومة، وكسر لإرادة مصلحة السجون وأهدافها الرامية لوأد العيد، ومن طقوس العيد عند الأسرى، صناعة معمول العيد، الذي يأخذ جهدًا كبيرًا، وقد يُصنع من السميد إن توفر في بعض السجون، أو من لب الخبز بعد إعادة عجنه بالماء، تُضاف المطيبات للمكوّن الرئيسي حسب المتوفر، وغالبًا لا تتوفر كل من مادتَي المعمول الأساسيتَين (المستكة والمحلب) ليستبدلها الأسرى بالسكر وزيت القلي والماء، ثمّ يغطّى السميد أو العجين بقماش لفترة من الوقت حتى يتضاعف حجمه، ووقت صناعته تشبه الحفلة، حيث يتجمع الأسرى في مجموعات، ويُحضّر التمر إن توفر أو يستبدل بالحلقوم، ويتم عجن التمر بالزيت بعد تفريغه من النوى، ويبدؤون بصناعته على شكل دوائر محشوّة، باستخدام أغطية الشامبو أو أغطية علب العصير النظيفة، لتتشكل أشكال المعمول الجميلة، ثمّ ينتقلون لأصعب مرحلة وهي خبز المعمول، التي تتمّ باستخدام (بلاطتين)، والبلاطة في عُرف الأسرى هي غاز كهربائي مدوّر الشكل بحجم كفّ اليد، توضع واحدة تحت صينيّة المعمول والثانية تُعلّق فوقه للتحمير، التي تستغرق ساعة لكل مجموعة بسبب ضعف قوة الحرارة ومشقّة المُتابعة، حتى تنتهي الكمية جميعها.

وتنتهي صناعة معمول الأسرى، ليخرج بحلّة العيد ويزيّنه، لكنه معمول قاسٍ جدًا، بسبب فقر المكوّنات، ويحتاج الأسرى لتناوله مع العصير أو الشاي كي يزداد طراوة، ورغم قساوته التي تتناغم مع المكان، يظل معمول الأسرى هو حكاية العيد الحلوة، التي لا يمكن لهم أن يتخلوا عنها كل عيد مُطلقًا.

يبدأ الأسرى فجر العيد بالتكبيرات الجماعية، التي لا يحترمها السجان أبدًا، لتختلط التكبيرات بصيحات السجان ونهرِه، فيتحوّل فجر العيد لمعركة قد تنتهي بضرب الأسرى وعزلهم وحرمانهم من أجوائه، وفي بعض السجون قد يسمح السجان للأسرى بصلاة العيد الجماعية في باحة السجن، لكن بعد أن تُعرض على رجل المخابرات الصهيونية خطبة العيد للتدقيق، ليحذف الكثير منها، بدعوى أنها تسعى للتحريض، وهنا يكون التحدي، فقد يلجأ الأسير للارتجال في خطبة العيد، متكبدًا عواقبها، التي قد تنتهي بعزل الخطيب، وضربه وتفريقه عن المجموع، ولكن يأبى الأسرى أن تؤسر كلماتهم كما أجسادهم، ويهون العقاب مقابل حرية الكلمة، وتثبيت حق الفرحة بصلاة العيد وأجوائه.

ولملابس الأسرى في العيد حكاية، إذ يُحاولون التزيّن بالجديد، في ظل عدم توفره لدى الغالبية العظمى منهم، ولكن قد تكون بيجامة قديمة كفيلة بصناعة فرحة العيد، أو ملابس صلاة لأسيرة، تُغسل وتنشر قبل العيد ويسمّى حبل الغسيل حينها، بحبل غسيل العيد، تُعَطّر صباح العيد بعطرٍ من صناعتهم، مكوّن من الماء والقليل من معطّر الغسيل، لتفوح رائحة زكيّة، مهمتها قهر السجان، والتأكيد أنّ فرحة العيد لا يمكن لهم وأدها رغم اللاشيء.

ويبقى العيد في السجون الصهيونية، مُحارَبًا بشدة من قِبل مصلحة السجون، التي تهدف لمحو ابتسامة الأسير وقهره، وما بين فرحة العيد لدى الأسرى الفلسطينيين والسجان الصهيوني، حكاية مُقاومة لا تكفي آلاف الكتب لترجمتها إلى حروف.

نقلًا عن موقع «عربي 21»

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X