fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة… رهان التفوّق.. ورأس المال البشري

تخطئ بعض المنظمات بجعل رأس المال البشري آخر سلم اهتماماتها

هل تذكرون قصّة المارد اليابانيّ الذي انبعث من تحت رماد الحرب صانعًا معجزة اقتصادية هائلة، أصبحت نموذجًا حيًّا على إرادة الإنسان، في تحويل الانكسارات إلى فرص لصناعة التفوق والنجاح؟

ناقشت التجربة اليابانية في مقال سابق وشرحت كيف اعتمدت نظريتها على رأس المال البشري كعنصر أساسي في تحقيق تلك الإنجازات الفريدة، وكيف انطلقت من مبدأ أن الاهتمام بالإنسان يُساعد في خلق بيئة عمل مناسبة ومُحفّزة تضمن تحقيق أهداف المنظمة.

للأسف في منطقتنا العربية تخطئ بعض المنظمات عندما تجعل رأس المال البشري في آخر سُلم اهتماماتها، وتجدها تنفق الكثير من الأموال والطاقات على عناصر أخرى لا يمكن أن تصنع الفارق الحقيقي في جودة الإنتاج ومستوى المنافسة دون وجود عنصر بشري متميّز يحمل هرمونات الإبداع والابتكار وخلق الفرص واستثمارها.

كان الاعتقاد السائد سابقًا بأن الاستثمار الحقيقي الناجح يعود إلى زيادة التركيز على رأس المال التقليدي من الآلات والمعدات والأصول الملموسة، بل إنه كان ينظر إلى تنمية وتدريب الكوادر البشرية على أنه نوع من أنواع الاستهلاك والنفقات قليلة الجدوى، ولكن مرور الزمن أثبت ما توصل له الاقتصاديون والخبراء أمثال آدم سميث وريكاردو حيث توصلوا إلى حقيقة مفادها، أن أي زيادة في الناتج المحلي لا تعود إلى الاستثمار في رأس المال التقليدي أو الطبيعي ولكن تعود إلى عوامل أخرى أبرزها التعليم والتأهيل والاستثمار في رأس المال البشري، ولذلك أصبحت تنمية الموارد البشرية عنصر السبق في التنافس القادم على الريادة العالمية.

ولا نبالغ عندما نقول إن رأس المال البشري أصبح عنصرًا مهمًا في تقييم الدول والمنظمات فذلك أمرٌ مثبت بالدراسات، وارتبط تأثيره بالنمو الاقتصادي وجودة الإنتاج، وبات من المُجمع عليه أن نهوض الدول والمنظمات على كافة المستويات لن يتحقق إلا بنضوج رأس المال البشري واستثماره الاستثمار الأمثل.

بالتأكيد، إنّ ما نقصدُه برأس المال البشري ليس الكَمية العدديّة الشكليّة لأفراد المنظمة، ولكن الأمر يتعلّق بالنوعية، وبدرجة المهارات والمعارف والقدرات وجودة التعليم والتفكير الإبداعي التي يتميّز بها الأفراد في المنظمة، التي تمثّل رأس المال والثروة الحقيقية للمنظمات.

وإذا كان رأس المال البشري يعد ثروة وموردًا أساسيًا في المنظمة، فإن استثمار تلك الثروة هو جوهر النجاح والتفوق، فالموارد تحتاج إلى تنمية وتأهيل ويمكن ذلك من خلال تنميتها وإثرائها بالتدريب والممارسة والتشجيع، وحينها ستنجح في الوصول إلى الرضا والولاء وسينعكس كل ذلك على جودة الإنتاج وبالتالي تحقيق الأهداف المنشودة لمنظمتك.

إن العناية برأس المال البشري واستثماره في تحقيق أعلى جودة من الإنتاج والإبداع لم تعد أمرًا ثانويًا يكتب في محاضر الاجتماعات ثم لا يجد طريقه إلى التنفيذ، بل أصبح نشاطًا استثماريًا لا يقل عن أي استثمار آخر ومن خلاله يمكن أن تحقق المنظمة أداءً عاليًا يضمن لها القدرة على المنافسة بكفاءة وفاعلية.

لقد أثبتت الدراسات بما لا يدع مجالًا للشك وجود علاقة بارزة بين رأس المال البشري وتنافسيّة المنظمة، ومن خلالها يتم تحديد قدرة المنظمة على مواجهة التحديات وضمان البقاء على رأس المنظمات المنافسة، وعندما تبحث عن الأسباب ستجد أن رأس المال البشري أصبح بحد ذاته ركيزة أساسيّة للتنافس خصوصًا حين يتم الإعداد البشري إعدادًا قادرًا على التنافس، بل أثبت تحليل القوى المختلفة المؤثرة على كفاءة المنظمة حقيقة هامّة وهي أن أهم تلك القوى وأعظمها أثرًا في تشكيل كيان وجوهر المنظمة هو العنصر البشري.

نحن اليوم أمام مرحلة ما يطلق عليه «اقتصاد المعرفة» وأدركت المنظمات أن معرفة الإنسان وقدراته أصبحت المصدر الأكبر للثروة والمنافسة في العصر الحديث وهي القيمة المضافة الحقيقيّة والمسوّق لكل أعمال المنظمة.

ومن هنا فمنظماتنا مطالبة بالاستجابة العاجلة للتغيرات المستمرّة في الاقتصاديات الحديثة، ومن الضروري أن تبحث بحثًا جادًا في كيفية تنمية رأس المال البشري ودرجة الاستثمار فيه باعتباره أثمن الموارد لديها والأكثر تأثيرًا في الإنتاجية على الإطلاق.

خبيرة ومدرّبة في مجال التنمية البشرية والتطوير المؤسسي

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X