fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر …. «في الصيف ضيعنا اللبن»

الشواطئ والحدائق وأماكن التنزّه نعمة يجب العناية بها

من الأمثال المعروفة عند العرب قولهم (الصيفَ ضَيّعتِ اللبن) أو (في الصيفِ ضيّعتِ اللبن)، وهو يُطلق على من تَرك نعمةً، فإذا احتاج إليها لم يجدْها، والمثل مأخوذ من قصة أوردها الجاحظ في كتابه «المحاسن والأضداد» عن ثريٍّ عربي من عِلية القوم اسمُه عمرو بن عمرو التميمي، وكان رجلًا شريفًا كريمًا ومن أغنى أغنياء قومه، تزوج فتاة لكنها رغم ثرائه ومكانته المرموقة بين قومه رفضته لكبر سنّه، فما كان منه إلا أن طلقها، لتتزوج فتى وسيمًا من عشيرتها، وذات صيف ساد فيه القحط، مرّت بها قافلة من إبل طليقها المُسن، فاشتهت لبن الإبل، وأرسلت جاريتها إلى زوجها الأول الذي لم يستجب لطلبها وأجابها بقوله: (الصيفَ ضيعتِ اللبن) فأضحى ذلك مثلًا، لمن بيده نعمة ويفرط فيها، وإذا طلبها لا يحصل عليها، ولما أبلغتها جاريتها بهذا القول، التفتت إلى زوجها الشاب وربتت على كتفه وقالت: (هذا ومذقه خير) والمذقة هي الشربة من اللبن المخلوط بالماء، وصار هذا القول مثلًا لمن يرضى باليسير مع راحة البال، ولا الكثير مع نكد الحال. ووردت هذه الرواية في كتب أخرى وبصيغ مختلفة لكنها لا تخرج في معناها عن إطارها المذكور.

ربّ مستغرب عن سبب ذكر هذه القصة ونحن نتحدث عن وجوب المحافظة على الشواطئ والحدائق العامة وأماكن التنزه في الكورنيش والأسواق الشعبية والاستراحات البرية وخاصة في الصيف حيث يكثر مرتادو هذه الأماكن، وينسَى بعضهم ضرورة المحافظة على نظافتها، مع أنها نعمة إن أهملنا العناية بها، فكأننا مثل تلك التي ضيعت اللبن في الصيف وهي بأمسّ الحاجة إليه، والأَوْلى أن نحافظ على هذه الأماكن ونحرص على نظافتها، لما يمكن أن تجلبه المخلفات المتروكة فيها من أضرار بيئية وصحية كثيرة.

ومن العجب أن نرى في الشواطئ تلك المخلفات التي تشوّه المناظر الطبيعية وتسهم في تخريب البيئة البحرية، بما تتركه من أكياس البلاستيك وبقايا الأطعمة التي تنتشر في الشواطئ لتجرفها مياه المدّ والجزر، ومثلها تلك التي تتواجد بكثرة في البرّ لتأكلها الأغنام والإبل التي ترعى في تلك الأماكن، ولهذا أيضًا أضراره الصحية عندما تتحول تلك الأغنام والإبل إلى لحوم تُباع في الأسواق ويشتريها الناس دون علمهم أنّهم إنما يشترون سمومًا تساهم في انتشار السرطانات والأوبئة المستعصية، ويبدو أنّ هذه الأماكن لا تحتاج إلى عمال النظافة فقط، ولكنها تحتاج أيضًا إلى فرق مراقبة تسجل المخالفات وتوقع الغرامات على مَن يتهاون في التعامل مع البيئة، فمثل هؤلاء يتجاهلون كل التعليمات أو اللوحات الإرشادية التنبيهية التي تشير إلى عدم رمي المخلفات، ووضعها في الحاويات المُخصصة لها، وهؤلاء يصدق عليهم قول الشاعر:

لقد أسمعتَ لو ناديت حيًّا

ولكن لا حياة لمن تنادي.

والملاحظ أن هذه الظاهرة السلبية تتواجد أكثر بين فئات من الوافدين الذين تعوّدوا على الإهمال حتى ألفوه ليصبح من عاداتهم وتصرّفاتهم التي لا يجدون حرجًا في ارتكابها نهارًا جهارًا، ومثل هؤلاء لا يردعهم سوى الجزاءات الصارمة التي لا تتهاون مع أحد، ومَن أمِن العقاب أساء التصرف، وهذه مُكتسبات وطنية لا نريد أن نفقدها بسبب تصرفات غير مسؤولة من بعض الفئات.

المحافظة على نظافة هذه الأماكن من أوْجب الواجبات على الجميع، والمُواطن الغيور والوافد الصالح لهما الحق في ردع كل من يرتكب هذه الأخطاء ضد البيئة البحرية أو البرية حتى وإن لم تكن لهما صفة رسمية، وذلك بالتنبيه على الخطأ، والنصيحة بالتي هي أحسن، لتوضيح أضرار هذا الإهمال لمن يرتكبه، ونحن إذا فرّطنا في الاستمتاع بهذه المنجزات نكون كتلك التي (في الصيف ضيعت اللبن)، ولمّا طلبته لم تجده.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X