fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور …. فات الأوان

لنسارع لرأب الصدع أيًا كان موقعه ونمسح الجروح التي أدميناها

كثيرًا ما يفوت الأوّل بالنسبة للكثير من البشر، فيعم الندم معظم لحظاتهم التالية، وهم يتمنّون لو أنّ الزمن يعود بهم إلى تلك اللحظة السابقة، التي كان يجب أن تكون أفضل مما حدثت وصارت، تلك اللحظات في حياتنا كثيرة، وهي أكثر من أن تُعد و تُحصى، حتى إننا نعتقد أن الزمن لو عاد بنا إلى تلك اللحظات، واللحظات الأخرى، والأوقات السابقة، فلن يكون لدينا الوقت لنصبح في وضعنا الحالي، بكل حسراته وتعقيداته، وتأنيب الضمائر الغافلة، ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها، ولكن هيهات أن يعود بنا الزمن إلى الخلف، فما فات فات، وما قضى قد انقضى، فلن يعود الأموات من قبورهم ليستمعوا إلى لحظات ندمنا واعتذاراتنا التي لن تفيد حيًا ولا ميتًا.

ولن يعود العمر إلى ما كان قبل عقود من الزمن، ولا حتى لحظة واحدة، لنتدارك فيها ما أصبناه من خطأ أو ظلم بحق الآخرين، حتى وإن كان هؤلاء الآخرون من أقرب الناس إلينا.

لن يفيد القاتل أن يندم على ما اقترفت يداه، ولن يفيد الآباء تصحيح الأخطاء التي مارسوها في سلطتهم وتجبّرهم على الأبناء يومًا ما، ولن يفيد الأبناء أن يسكبوا دموع الندم والحسرة لعدم برّهم بوالديهم أو أحدهم، بعد أن يوارى التراب.

لا، ما فات فات، فالقط لن يندم حين يرى العصافير الصغيرة في العشّ تنتظر عودة أمها التي قضى عليها قبل لحظات بين مخالبه وأنيابه، والتاجر لن يعيد السفينة التي غرقت في البحر بكل ما فيها، لتحميلها فوق الوزن المُحدد، وقائد الطائرة، لن يعيد أرواح الطاقم الذي كان معه والأرواح الأخرى التي لم تعرف مصيرها المجهول بسبب خطأ فني أو بشري لم يُحسب له أي حساب قبل الإقلاع، كم وكم من اللحظات والدقائق التي مضت، والتي لن نسترجعها أبدًا مهما حاولنا، ومهما جهزنا من تعاويذ وطلاسم، ومهما استعنا بالحواة وهواة السحر والدجل، لا، لا شيء سيعود، ما مضى مضى، نحن في لحظة يطلق عليها الآن، الحاضر، الوقت الحالي، الذي يمكنه أن يتقدّم للأمام فقط، بينما سدّت كل المنافذ إلى الخلف، حتى إننا لا نعرف أين تقع تلك المنافذ حقًا، فهي قد أصبحت في خبر كان، وخبر كان معروف أنه ينصب إجباريًا لا اختياريًا، إذًا لا رجعة في القرارات التي وقعنا عليها بأيدينا دون مُراجعة أو إعادة تفكير، ولا عودة للأحكام التي نطقناها بألسنتنا دون تفكر أو تمحيص، ليس هناك كلمة «لو» في القاموس الواقعي، فهي الكلمة التي تجبرنا على أن نعضّ أصابع الندم بكل ما أوتينا من قوة، يمكنها أن تبني وترفع، وتهدم وتزيل، لكن لا يمكنها العودة ولا حتى ثانية واحدة في الزمن، حين ننسى أمرًا ما في البيت أو العمل أو أي مكان آخر يمكننا أن نعود لجلبه في أي وقت طالما هو خارج حدود الزمن، يمكننا أن نرتب أفكارنا، ونغيرها مرة تلو الأخرى، لكننا لا نستطيع التراجع فيها حين نضعها موضع التنفيذ، وحين يطال الفأس الرأس، فلا عودة أبدًا، حين يُغضب أحدٌ منا فردًا ما على قيد الحياة، يمكننا العودة لطلب السماح والاعتذار منه قبل أن تحصد النيران الأخضر واليابس، وقبل أن نقتطع ورقة اليوم من الرزنامة المُعلقة على الحائط أو على مكاتبنا، وقبل أن تصدر الصحائف مبكرة في الغد، وهي تعلن قيام اليوم الأخير من أعمارنا.

فلنسارع لرأب الصدع أيًا كان موقعه، ونمسح الجروح التي أدميناها قبل أن تفيض الدماء دون طائل، ولنُعد كتابة الأحداث كما كتبت في اللوح المحفوظ، فلسنا من يقدر على التغيير، وإعادة الزمن إلى الخلف، خاصة حين «يسبق السيف العذل».

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X