fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة …. التخطيط الإداري المرتكز على الحدس

هل الحدس هبة فطريّة أم أنه ناتج عن الخبرة الطويلة؟

كان الحدس يراود مؤسّس شركة آبل «ستيف جوبز» بأن شاشات الهواتف التي تستخدم الأزرار لن يطول أمدها، وحان وقت خروج شاشات جديدة قابلة للمس، اتبع حدسه ورؤيته وكانت فكرته مجنونة ومُغامرة وغير قابلة للتطبيق، وتحذيرات الخبراء كانت تقول إنها ستفشل. لكن ماذا حدث؟ نجح حدس «ستيف» وفشلت آراء الخبراء وخسرت «بلاكبيري» وشركات أخرى رفضت التجربة الجديدة.

يقول ستيف جوبز وهو يتحدّث عن تجربة الحدس: «لا بُدَّ من أن تؤمن بشيءٍ ما، سواء بشعورك الغريزي أو قدرك أو حياتك أو نصيبك أو أي أمر آخر، فلم تخذلني هذه الطريقة في التفكير أبدًا؛ بل كان لها أثر كبير في حياتي».

صحيح أن البيانات والمعلومات وتحليلها التحليل الجيّد مهمّة جدًا في الحصول على نتائج إيجابيّة في اتخاذ القرارات الإداريّة في مُنظماتنا، ولكن عامل الحدس في قدرات العاملين في المنظمة وخصوصًا القيادات العُليا ينبغي أن يكون حاضرًا لأن الوقت أحيانًا لا يسعف للعودة إلى تحاليل البيانات واستنتاجاتها.

في كتابه الذكاء العاطفي يقول ياسر العتيبي: «لا شك أن للعقل والمنطق دورًا أساسيًا في اتخاذ أي قرار، ولا يمكن استبدال العقل بالحدس أبدًا، ولكن يمكن الاستئناس به وعدم تجاهله، وبالذات إذا وصل العقل إلى نوع من التوازي بين السلبيات والإيجابيات، عندها يأتي الحدس ليرجّح الكفة ويساعد في اتخاذ القرار».

والسؤال الأهم الذي نطرقه اليوم: هل توجد علاقة بين الحدس والتخطيط الإداري في المنظمات؟ وما العوامل المؤثرة في استخدام الحدس في اتخاذ القرارات، وهل الحدس هبة فطريّة أم أنه ناتج عن الخبرة الطويلة؟

والحقيقة أن الحدس يُعد عنصرًا مهمًا لصناع القرار في المنظمات وله علاقة وثيقة في اتخاذ قرارات هامة وعاجلة، وهو يعتمد على فهم عميق للوضع ناتج عن خبرة طويلة وتخزين معرفي واسع في عقول صنّاع القرار ومُتجذّر بالخبرة السابقة.

والحدس ليس وليد الفطرة ولا رؤية الغيب، لكنه وسيلة في استخدام المعرفة السريعة المُرادفة للتحليل العقلاني الضمني، وبالتالي نستطيع أن نطلق عليه «الخبرة الأوتوماتيكية»، وكلما كانت الخبرة مُعقّدة وشاملة كانت القرارات الناتجة عن الحدس أكثر موثوقية.

وتشير الدراسات الإداريّة إلى أن المستويات الإداريّة في المناصب العُليا تصيب في قرارات الحدس أكثر من المستويات الإداريّة في المناصب المتوسطة والدنيا، وخبراء الإدارة يرون أن هناك أهمية للحدس في اتخاذ القرارات الاستراتيجيّة خاصّة فيما يخص السرعة في اتخاذ القرارات، لكنهم ينوّهون إلى ضرورة الدمج بين الحدس والتحليل من طرف قيادات المُنظمة في اتخاذ القرارات الهامّة وعدم الاكتفاء بالمدخل الحدسي فقط.

والحدس هو أحد وسائل التنبؤ، وهو وسيلة مهمة في أساليب التخطيط، فهو يُساعد على توقع الأحداث في المُستقبل، وبالتالي فهو داعم لعملية التخطيط، ولذلك من الواجب معرفة كيفية توظيف الحدس، والتأكد من أنه يعمل بانسجام تام مع الذكاء والخبرات المُتراكمة لدى المُخطط وتقديرات قيادات المُنظمة.

يرى الخبير الإداري حسين الغامدي «أن قانون الحدس يعدّ من أهم قوانين القيادة، ويحتاج القائد الإداري لامتلاك هذا الحدس القيادي في بعض المواقف من أجل اتخاذ قرارات ضروريّة وعاجلة في ظل عدم وجود المعلومات الكافية».

ويربط عالم النفس «والاس» ما بين الحدس ودوره في أي عملية، حيث حدّد مراحل عملية الإبداع في أربع مراحل، ثالثها الاستبصار أي الحدس، وهي الوصول إلى الذروة الإبداعيّة، حيث تظهر الفكرة فجأة وتبدو الفكرة كأنها نظمت تلقائيًا دون تخطيط، ولذلك ترى دراسة نشرتها مجلة «لامينتي» الإيطالية أن الشخص الذي يحسن الجمع بين الذكاء وحاسة الحدس يحدث تغييرًا في المُجتمع، وبإمكانه حل المشكلات بشكل أكثر فاعلية واتخاذ القرارات المُثلى.

الخلاصة من كل ما سبق أن الحدس عامل مهم في التخطيط الإداري واتخاذ قرارات إدارية جريئة وعاجلة، ومن المهم توظيف هذه الأداة وهذه الحاسّة التي يُطلق عليها الحاسّة السادسة والإنصات لها، الأهم هو أن تحترم حدسك الخاص، ولكن لا تتبعه بشكل أعمى وفي نفس الوقت لا ترفضه بشكل مباشر، استمع إليه وأعد التحقق من الأدلة والمعلومات المُتاحة، واستند إلى الاستشارات، وكن حريصًا على ترشيد القرارات التي تعتمد على الحدس حسب درجة الرجوع لاستعمال العلم والمُمارسات الجيّدة.

استشاري تدريب وتنمية بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X