fbpx
كتاب الراية

خواطر.. صيفٌ ومحطات

كيف يكونُ ذاك الحكيم وكورونا من وطنٍ واحد؟

جلستُ في مقهى يُطلُّ على البحرِ الأبيضِ المُتوسّط
لم أطلب الشّايَ أو القهوةَ
بل همستُ للنادلِ ألّا يُزعجَني
فأنا هنا لأفضفضَ للبحرِ
لكنّهُ اليومَ هائجٌ متوترٌ
أمواجُه تتلاطمُ كألسنةِ اللهبِ
أنا مدينةٌ لهُ.. مُنصتةٌ لِعَوِيلِه
يبدو كطفلٍ يبْكِي بينَ أحضانِ أُمِّه المُراهقةِ وجَدَّتِها العجوز
وأنا بينهما أتألمُ لا أملكُ حقَّ احتضانِهِ وإهمادِه
طلبت كوبَ يانسون ساخن
ليُذيبَ صقيعَ التجاهلِ والكبتِ رغمَ الدُّخَانِ ونفيرِ الحرائق
وحُرقة الفؤادِ على كلِّ ذي رُوحٍ من طيرٍ وبشرٍ وشجر
تذوبُ الحياةُ وتتبخّر
بينما نتحجّرُ كأملاحِ جبالِ الهملايا
ألوانُها لا تغيّرُ شيئًا من طَعمِها أو قيمتِها.

.•.•.•.•.•.•.•.•.• .•.•.•

رحلتي الثانية..
هذه المرّةُ سأختارُ محطةً بلا بحر
سأبتعدُ عن المُدُنِ وأتوغّلُ في القُرى والجبالِ
سأزورُ تلكَ العجوزَ الحكيمة
لطالما سمعتُ عن رجاحتِها..
تُرى هل لا زالتْ على قيدِ الحياة؟
أنّا الغريبةُ، هل تذكرِيني؟
وكيفَ أنسى!
يومَ حضرتِ زفافَ ابني
منذُ نصفِ قرنٍ من المتاعب
ملامحُك كانت سببَ غروبِك المُبكّر..
حين قدّموا لكِ شرابَ الوردِ وحلوى اللوز المُخصص للغرباء
ثمّ تردّدوا حينَ علمُوا أنّكِ لا غريبة ولا قريبة..
فغادرتِ الحفلَ بغصّةٍ
تاركةً لنا الحريةَ فيما يَجبُّ الماضي..
فلا نحنُ تُبْنا ولا أنتِ عُدْتِ!
لا بأس..
كنت ظمأى لشيءٍ آخر!

.•.•.•.•.•.•.•.•.• .•.•.•

رحلتي الثّالثة إلى الشرقِ الأقصى..
ربما يُنسيني أوسطنا المتطرف!
أسير على سورِ الصّينِ العظيم
لا أبدو غريبةً بين غرباءِ العالم
أبحثُ عمّن يفقهُ شعوري ويُفسّرُ أحْلامي..
هناك عجوزٌ يتأمّلُ في الفضاءِ
تجذبني إليه رائحةُ البخور..
يُغريني سكونُهُ.. فأبوح
يراودُني شيءٌ ما.. كنتُ أظنُّه جاثومًا
لكنّه مجردُ تشابُه في الأضغاث
ولا وصفَ لَهُ سوى فزعِ الغريق!
يُطالعُ أبعدَ نجمةٍ مُمسكًا بأقربِ حجرٍ
يضعُ تحتَ فمِه لوحًا زجاجيًّا
ثم يستنشق سحابةً من الأُكسجين
يحبسها طويلًا.. حتى ينسلّ منه الزفير
دَخَلَتْ خفيفةً وخَرَجَت مُثْقَلةً
فكَدّرَت صفوَ الزجاج
لكنّه سرعانَ ما عادَ شفافًا..
غادرته بعد أن تعلمتُ الدرس..
كيف يكونُ ذاك الحكيم وكورونا من وطنٍ واحد؟
تُرى هل تمكَّنَ الفيروسُ من رئتَيه
أمْ أننا قابلُون للاختراق!

.•.•.•.•.•.•.•.•.• .•.•.•

ما أثقلَ هذا الصيف!..
يُشبه أُخطبوطًا عملاقًا..
يكاد أن يستقرَّ على خطوط الطول والعرض في العالم
ليخنقَ الأخضر واليابس..
فهل علينا أن نُصلّي الاستسقاءَ بعد كل فرضٍ
لنُطفئَ عطشَ الغابات؟
أيُّ ثقبِ أوزونٍ حلَّ في غِلافِنا الجويّ البديع
ليتَ غزْلَ الخيوطِ سهلٌ كَفَرِّها وكَرِّها
لنرثيَه ونجمعَ أوصالَه..
رُبَّ ثوبٍ مُرقّعٍ يسترُ ترهّلَنا
خير من ثوبٍ عصريّ لا تُبقي شقوقُه من لحمِنا ولا تَذر!
أودُّ الدخولَ في بياتٍ صيفي..
فلا أُبصِر حتى فصل شتاءٍ أبَدِيّ
يروي الشرق والغرب والشمال والجنوب
فلا يعطش شجر ولا طير ولا بشر..
وليسبح الطامعونَ في بِحارٍ لا ترويهم
ولا ترتوي إلّا بهم!

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X