fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة … إعادة التمحور الفرديّ والمؤسسيّ

بقدرِ قدرتِنا على التكيّفِ مع التحدياتِ.. بقدرِ امتلاكِنا فرصَ إدارةِ السفينةِ باحترافٍ إلى برِّ الأمانِ

تقول حكمة صينيّة قديمة: «عندما تهبُّ رياحُ التغيير يهبُّ مُعظمُ الناس للبحثِ عن مأوى يختبِئون فيه، بينما يعمد بعضُهم إلى بناء طواحين الهواء».

والسّؤالُ الذي يجب أن نطرحَه على أنفسنا جميعًا، هل نحن جاهزون لرياح التّغيير، وعندما تحلُّ تلك العواصفُ العاتيةُ، هل سنكونُ في صفِّ مَن يبحثونَ عن أماكنِ الاختباء أمْ من فريقِ الذين يسعونَ إلى استغلالِ الرّياحِ لبناءِ طواحينِ الهواء؟

أقولُ هذا، ونحن نشهدُ عصرًا يمكنُ أن نطلقَ عليه عصرَ التّغييرِ المستمرِّ على جميع الصُّعُد الشخصيّة أو صُعُد أعمال المنظمات أو الدول، وكلها تؤثّرُ وتتأثّرُ ببعضِها، وبالتالي فلا بدَّ من استراتيجيّةٍ واضحة للتعامُل مع هذه المُتغيراتِ المُتسارعةِ والرياحِ العاصفة.

وهنا أضعُ قاعدةً وتساؤلاتٍ: أمّا القاعدةُ فهي تقولُ: «إذا كانت التّغييراتُ المستمرّةُ والمُترابطةُ هي السّمةَ السائدةَ في بيئةِ الأعمالِ حاليًا، وليست الاستثناءَ كما كان عليه الحالُ في الماضي، فإنَّ المرونةَ والتقييمَ المُستمرَّ وتقبّلَ التغييرِ ومُراقبةَ الأداءِ هي المرادفُ الضروريُّ لهذه الحالة».

أمّا التّساؤلاتُ فهي كالتالي: هل نمتلكُ مرونةً كافيةً لمُواجهةِ هذه التّغيراتِ؟ هل نحن جاهزونَ لتعلُّمِ أشياء جديدةٍ على الدوام؟ هل نستطيعُ التعاملَ مع أنماطٍ جديدةٍ في بيئة العمل؟ وهل نراجعُ باستمرارٍ قائمةَ أهدافِنا ونعملُ على تطويرِها لضمانِ تحقيقِ أعلى النّتائج؟

ذلك إذن هو التّحدي الحقيقي القادم، وبقدرِ قدرتِنا على التكيّفِ مع التحدياتِ والتغيراتِ ومعرفةِ واقعنِا بكلِ دقّة، واستجابتِنا لمواكبةِ حركةِ التغييراتِ المُحيطةِ من النّواحي التعليميةِ والإداريّةِ والاقتصاديةِ والتقنيةِ والاجتماعيةِ؛ بقدرِ امتلاكِنا فرصَ إدارةِ السفينةِ باحترافٍ إلى برِّ الأمانِ، ويُشيرُ الدكتورُ الراحلُ غازي القصيبي إلى أنَّ «الإنسانَ الذي يعرفُ نقاطَ ضعفِه يملكُ فرصةً حقيقيةً في تحويلِها إلى نقاطِ قوّة»، أما الدكتورُ طارق السويدان ومن خلالِ خبرتِه الطويلةِ فإنه يؤكّدُ على أنَّ التكيّفَ هو الطريقُ لصناعةِ النجاح.

إنَّ أحدَ أهمِّ مُستوياتِ النضجِ في سلوكياتِنا الخاصّةِ وأعمالِنا في المنظماتِ التي نديرُها تكمنُ في أسلوبِ التحسينِ المستمرِّ وربطِ الأداءِ بالأهدافِ ومقارنةِ مدى تحقيقِها، وعندما يتحوّلُ التحسينُ المستمرُّ ومراقبةُ الأداءِ وتعديلُ الأخطاءِ حالَ وقوعِها جزءًا لا يتجزأُ من ثقافةِ منظماتِنا، فذلك عنصرُ نجاحٍ وما يطلقُ عليه مفهومُ «إعادة التمحور»، وتعديل المسار.

عندما تُدركُ أنت كفردٍ أو قياديٍّ في منظمةِ ما أنّ الخُطّةَ التي تمضي عليها قد لا توصلُ إلى النتائجِ المنشودةِ أو يشوبُها الكثيرُ من الشكوكِ، وأنَّ الأداءَ الحالي لا يشجعُ على تحقيقِ الأهدافِ الطموحةِ، عندها عليكَ أن تُبادرَ لإجراءِ تغييرٍ محوريٍّ عاجلٍ لإنقاذِ السفينةِ من الغرقِ ومُواصلةِ العبور.

والمرونةُ والتكيّفُ ليسا سماتٍ شخصيةً، بل هما مهاراتٌ مكتسبةٌ يمكن تعلمُهما وتطويرُهما، ومفتاحُ النجاح سواء على المُستوى الشخصي أو مستوى أداءِ المنظمات هو في القدرةِ على التكيّفِ بنجاحٍ مع كافة المُتغيّراتِ والمستجداتِ التي تطرأُ على بيئةِ الأعمال، والجميلُ في الأمرِ أنَّ الدراساتِ أثبتتْ وجودَ علاقةٍ وارتباطٍ وتأثيرٍ إيجابيٍّ بين المرونةِ في الأداءِ والإبداعِ.

إذا أردنا أن تبقى مُنظماتُنا على قيدِ الحياةِ في عالمِ المنافسةِ، فإنَّنا بحاجةٍ إلى الابتكارِ والإبداعِ، وهذا يعني أنَّ كوادرَ المنظماتِ بحاجةٍ إلى صيانةٍ مستمرّةٍ لتطويرِ قدراتِهم وتعزيزِ مهاراتِهم.

نحن جميعًا بحاجةٍ إلى صيانةٍ دوريةٍ، لذواتِنا، وأرواحِنا، وأدواتِنا، وقدراتِنا في العملِ، وقِيلَ مَن لا ينمو يموتُ، ومَن لا يتغيّرُ يتعسّرُ.

حانَ الوقتُ كي نخرجَ من عمليةِ التمحورِ حول قواعدِنا التقليديّةِ في العملِ والحياةِ، إلى مرحلةٍ جديدةٍ من عمليةِ «إعادة التمحور» نحوَ تقييمِ الواقعِ ومآلاتِ المُستقبلِ ومُراجعةِ أهدافِنا وتطويرِ وسائلِنا وأدواتِنا وتحسينِ معدّلاتِ وجودةِ إنتاجِنا.

آن الأوانُ لنغادرَ الجمودَ الإداريَّ والانغلاقَ الفكريَّ والأساليبَ التقليديّةَ التي لم تعدْ مناسبةً للتنافسِ وخوضِ غمارِ السّباقِ المُتسارعِ نحوَ النموِّ والتفوّقِ.

استشاري تدريب وتنمية بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X