fbpx
كتاب الراية

خواطر.. محطات عربيّة

فكرة الارتباطِ وتحديد صحبةِ العُمُرِ ليسَا بالاختيارِ الهيّنِ لدى جيلٍ اعتادَ التّجديدَ

لدَى وصُولي مطارَ العاصمةِ الأردنيّةِ عَمّانَ، تفاجأتُ بفرقةٍ غِنائيّةٍ فولكلوريّةٍ، صحيحٌ أنَّها لم تأتِ ابْتهاجًا بقدومِي، ولكنَّ دراسَتِي التّنميةَ الذاتيّةَ تحتّمُ عليَّ التفكيرَ الإيجابيَّ واستحْقاقَ الفرحِ كأنَّه لأجْلِي.
وبالرغمِ من كورونا التِي أثقلتْ أجواءَ السّفرِ في الذّهابِ والإيابِ وما بينهما، إلّا أنَّ اسْتقبالَ الأهالي بباقاتِ الوردِ والزغاريدِ لأبنائِهم العائدينَ بالشهاداتِ العُليا لمْ يتغيَّرْ، فالفرحُ أصبحَ كقوسِ قزح في بلادٍ تندرُ فيها الأمطار.
في الثمانينياتِ كُنّا عائدينَ إلى الدوحةَ من القاهرة، وعلى متنِ الطّائرةِ ثلاثُ عرائسَ في فساتينِ الزّفافِ، ودّعَهُنَّ الأهالي بزفّةٍ من الزغاريدِ والدّموعِ، ليستقبلَهنَّ الأزواجُ المُغتربون في مطارِ الدوحةَ بالصورِ منعًا للالتباسِ، كانت تلك الظّاهرةُ طبيعيةً جدًّا في مصرَ وبلادِ الشام، إلّا أنَّها مُحزنةٌ، فالبعضُ تمَّ تزويجُهم بتوكيلٍ رسميٍّ لأولياءِ الأمر، في زمنٍ خالٍ مِنْ وسائلِ الاتّصالاتِ الذكيةِ، مجرد صورةٍ شمسيّةٍ في أستوديو مُتواضعٍ ديكورُه لا يتعدّى شجيرةً بلاستيكيّةً زاهيةَ الألوانِ، يقولُ المُصوّرُ: ضعْ يدَكَ على خدِّكَ، انظرْ هُناكَ وابتسمْ، فيسرح بنظرِه بعيدًا، ترى هل (ستعجبُها- ستعجبُه) صُورتي؟
الزواجُ عن بُعدٍ، ليس ظاهرةً حديثةً، لكنهُ عادَ بحُلّةٍ عصريّة، وازدهرَ مُؤخّرًا عبرَ غرفِ الدردشةِ والتّطبيقاتِ المُخصّصةِ للتّعارفِ والتواعد.
ومعَ أنّنا في عصرِ العزوفِ عن الزواجِ لأسبابٍ مُختلفةٍ، إلّا أنَّ فكرةَ الارتباطِ وتحديدَ صحبةِ العُمُرِ ليسَا بالاختيارِ الهيّنِ لدى جيلٍ اعتادَ التّجديدَ والتّغييرَ، كما أنَّ الحروبَ والهجراتِ والبطالةَ وارتفاعَ تكاليفِ الحياةِ، تسببتْ في تراجُعِ الإقبالِ على الزواجِ التقليديِّ الواقعي، لينتعشَ الزواجُ غير محسوبِ الأبعاد، لمجرد التمرُّدِ على العاداتِ والتقاليدِ، فهل يصبحُ الزواجُ مجرد مُغامرةٍ لمن يجرُؤ…! إنَّ كثرةَ الطلاقِ تُشيرُ إلى ذلك.
كَثيرونَ يهدرونَ فترةَ الخطوبةِ بتصميمِ الفساتينِ والتفنّنِ في بطاقاتِ الدعوةِ والبحْثِ عن التميّزِ الذي لا يتعدَّى ليلةَ الحنّاء وحفلةَ الزّفاف، والمُضحكُ أنَّ العروسَين هما آخرُ مَن يدخلانِ الحفلَ، كما أنَّ وجودَ مطربةٍ مشهورةٍ يسرقُ منهما الأضواءَ، لكنّه لن يُبعدَ الشيكاتِ المؤجلةَ والمطالباتِ البنكيةَ لقروضِ الزواجِ، التي تُورِّط الكثيرينَ بلا وعي.
وبينما أغادرُ المطارَ باتجاهِ سيّارةِ الأجرة، سمعتُ سائقِي التاكسي يَتَهَامَسُون: «على ماذا يغنّون، كلنا جامعيين وقعدنا سنين في البيوت، وآخرتْها سوّاقين، هههههههه يضحكون بلوعةٍ وينفثون الدُّخَان بحرقة، لا يستطيعونَ للعزوبية وداعًا، ولا لعملٍ يليق بشهاداتهم سبيلًا». هذا المشهدُ يتكرّرُ في البلادِ العربية.
المُحرّماتُ لا تتعدى عددَ أصابعِنا، لكنَّ أهمَّها وأكثرَها ضررًا يكمنُ في سوءِ التعاملِ وعدمِ توفيرِ فرصِ التعليمِ والعملِ وكلِّ ما يساهمُ في عفّةِ الشبابِ بلا إسرافٍ، لبناءِ مجتمعٍ سويٍّ نواتُه الأسرةُ الكونيّة.
أنا هُنا أكتبُ عن عالمِنا العربيّ، وليسَ عن بلدٍ محدّدٍ، فالأوضاعُ الاقتصاديّةُ والسياسيّةُ تسببتْ في عدمِ الاستقرارِ النّفسيِ والتّفاوتِ الاجتماعيِّ والعزوفِ عن الزواجِ وزيادةِ نسبةِ الطّلاقِ، وكلُّها أمورٌ لا تبشّرُ بخيرٍ.
لكنّني أستبشرُ بالجيلِ الجديدِ الواعي خيرًا، وأظنُّه قادرًا على غَرْبلةِ البِدعِ والتخلّي عن المظاهرِ الزائفةِ واختلاق أعمالٍ حديثةٍ ملائمةٍ للجميعِ، ربما نمرُّ في مرحلةٍ متذبذبةٍ، لكنْ لديَّ إيمانٌ بأنَّ القادمَ أجملُ.

[email protected]

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X