fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. الطريق إلى كابل يمرّ من هنا

كل المباحثات والجهود الرامية لإنقاذ أفغانستان تمرّ عبر الدوحة

تَفاجأَ العالمُ بالأحداث الدراماتيكيّة التي توالت على أفغانستان بشكل غير طبيعيّ، بعد أن سقطت مدنُه واحدةً تلوَ الأخرى في أيدي طالبان، وبصورةٍ غير متوقّعة، وزاد الطين بِلّة هروب الرئيس الأفغاني وتخلّيه عن مسؤولياته الدستورية بحُجة حقن الدماء، وذهبت أدراج الرياح مليارات الدولارات التي بذلتها الولايات المتحدة لتدريب وتسليح الجيش الأفغانيّ، بأسلحة حديثة كان مصيرُها أن أصبحت في أيدي محاربي طالبان بعد الاستيلاء عليها بسهولة تفوقُ الخيال.
وذُهل العالم أمام هذا التّحدي الذي قلب موازين الحسابات الغربيّة التي سارعت دولُها إلى ترحيل رعاياها وسط أجواء غامضة لم تخفف من غموضها كلُّ الوعود التي أعلنتها كوادر طالبان النافذة، من رغبة في التعايش مع دول الجوار والعالم، مع الرفض القاطع للديمقراطيّة، فلا حكم سوى حكم الشريعة، من منظورها الطالباني الذي عرفه الأفغان قبل عقدَين من الزمن، وعرفوا معها صعوبة الانسجام بين ما تريده التوجهات الطالبانيّة وما يجلبه الانفتاح من حريات تشكل خطرًا على تلك التوجهات، وظلت دعاوى حقوق الإنسان والديمقراطية، مشجبًا يعلق عليه الغرب حججه في التصدّي لطالبان بجميع الوسائل، وعلى كل المنافذ والمعابر السياسية والاقتصادية والثقافية، إلى أن حققت طالبان أحلامها، ودخلت من أوسع أبواب القصر الرئاسي دون أدنى مقاومة، رغم كل محاولات الآلة الإعلامية الغربية التي حاولت طوال العشرين سنة الماضية تشويه سمعة طالبان، مستعينة بالمواقف الطالبانيّة المتشددة، وما يزال الغرب ينظر إلى الوعود التي أطلقها ويطلقها قادة الحركة بشيء غير قليل من الريبة، بعد مشاهدة هذه الجحافل التي اكتظت بها شوارع كابل ممن يريدون الخروج من أفغانستان، أو الهروب منها بمعنى أوضح، تحت وطأة الخوف مما تأتي به الأيام، مع أن طالبان أبدت بعض المرونة فيما يتعلق ببعض الشؤون محل الخلاف كقضايا المرأة، والتعليم والمجتمع.
وقد كانت الدوحة طوال تاريخ الحرب الأهلية الأفغانية تحتضن الفرقاء الأفغان للتوفيق بين جميع الأطراف في الوصول إلى حلّ عادل للأزمة الأفغانية، وفي ظلّ التطورات الأخيرة أصبحت الدوحة محط أنظار العالم، ولم يعد العبور إلى كابل ممكنًا، إلا من خلال الدوحة، نتيجة الجهد الذي بذلته وتبذله قطرُ من أجل إحلال السلام في ربوع أفغانستان، فاتجهت قيادات أوروبا وأمريكا إلى قطر في محاولاتها لحلّ هذه الأزمة، ومنذ الأيام الأولى لوصول طالبان إلى كابل، تواصل زعماء دول العالم ومنظماته الأممية للتشاور في وسائل الوصول بهذه الأزمة إلى برّ الأمان، مع الإجماع على الإشادة بدور قطر الكبير والفعّال في معالجة الأزمة الأفغانية برمتها، منذ سنوات خلت، وحتى الآن.
وموقف قطر في هذا الأمر ينسجم تمامًا مع دورها في مناصرة الحقّ ومساعدة الدول في التغلب على مشاكلها الطارئة وغير الطارئة، دون إملاءات على هذه الدول، أو التحكم في شؤونها الخاصة، وما زالت جهود المسؤولين القطريين تتواصل للمشاركة في إنقاذ الشعب الأفغاني والحيلولة بينه وبين التأزمات والسلبيات الناجمة عن حرب دامت عشرين عامًا، وذلك ضمن جهود بقية الدول التي تسعى لترحيل رعاياها وتوفير الخروج الآمن لهم، ولمن يريد الخروج من الأفغانيين أنفسهم تحت وطأة ما قد تحمله الأيامُ من مفاجآت.
وإذا كانت كل المباحثات والجهود الرامية لإنقاذ أفغانستان من مستقبل ما يزال مجهولًا بالنسبة للأفغانيين، تمرّ عبر الدوحة أولًا، فلأن ما بذلته قطر في هذا المجال هو محل تقدير الجميع، ولا يمكن لأحد أن ينكرَ هذه الجهودَ، التي تعدت احتضان مباحثات السلام بين جميع الأطراف، لتصل إلى مدّ يد العون والمساعدة سياسيًا واقتصاديًا للشعب الأفغاني باختلاف أطيافه وأعراقه وتوجهات قياداته، سعيًا وراء لتحقيق سلام العالم وأمنه واستقراره.

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X