fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. البحث بين دفاتر الزمن

يمكن شراء بيت جديد.. والعمل بجدّ لاستعادة الثروة الضائعة

بمرور الأيّام والسنين، يفقد المرء منا أشياءً كثيرة لا يُمكن تعويضها أبدًا..

كلما تقدم الفرد منا في العمر يبدأ بفُقدان أجزاء من أعضائه العاملة منذ ولادته..

البعضُ يفقدُ البصر، والبعضُ يفقدُ السمع، والبعضُ يفقدُ الذاكرة، والبعضُ الآخر يفقدُ الأحباء والأقرباء..

والبعضُ يفقد الزمن، وآخرون أيضًا في لحظة ما، وزمن ما، يفقدون الوطن..

الحمد لله، كل تلك المفقودات التي نمتلكها الآن، ولا نعرف قيمتها، سوف نعرفها حقًا ساعة الفقد..

فمهما مرت علينا السنون والأيام، ومهما شقينا وجرحنا، وغدر بنا الزمان، إلا أننا لا نعرف قيمة الأشياء والأفراد إلا بعد فقدهم.

الفقد كخندق غزير يحيط بالمرء، مملوء بالنار والعذاب والدمار.. تنصهر بداخله القلوب، وتتلف الأبدان، وتذوب كل الذكريات الجميلة، والأيام السعيدة، في بوتقة ذلك الخندق الغزير.

ليس هناك من مخلوق لم يطأ ذلك المكان، وليس هناك من إنسان لم يطأ عمق الحزن وأهواله.

كل البشر على اختلاف أجناسهم، وأسمائهم، ولغاتهم، وثقافتهم، يتعرضون في لحظة من لحظات الزمن إلى تلك الهوّة العميقة، التي تفصل بين الحزن والفرح، بين السعادة والتعاسة..

لا يمكن حصر كل تلك الأشياء التي يمكن للفرد منا أن يفقدها، فالأرواح ليست ملكًا لنا، ونحن لا يمكننا التحكم فيها، ولا الإمساك بها.. برغم أنها أقرب إلينا من كل شيء آخر في هذه الحياة..

حين يفقد الفرد شيئًا ماديًا في مسيرة حياته، يفقد مسكنه مثلًا، أو يفقد ماله، أو سيارته الفارهة، أو يفقد حريته، ورغم ما يناله من ندم وحسرة عليها، إلا أنها مجرد شيء ماديّ، شيء لا قيمة له بجانب الأشياء الأخرى التي لا يمكن تعويضها أبدًا.

يمكن شراء بيت جديد، والعمل بجد لاستعادة الثروة الضائعة، ويمكن استبدال السيارة بأخرى، ويمكن للحبيس أن يستعيد حريته، لكن، لا يمكن استعادة الأشياء المعنوية الأخرى.

حتى البصر والسمع، يمكن استعادتهما بفعل الجراحات المتقدمة، يمكن للمرء أن يستعيد صداقاته التي فقدها بمرور الوقت، ويعيد التواصل بها.

حتى القلوب التائهة، والنفوس الحيرى الباحثة عن الدرب الصحيح، تعود لوعيها وخلاصها، حين تجد الأيدي الصالحة التي تشدها إلى الصواب..

لكن، حين نضيع نحن، في تيارات الزمن المتقلبة، بكل أهوائها ورياحها السقيمة، حين نفقد ذواتنا، وأحلامنا القديمة، فكيف يمكننا أن نعيدها من جديد..؟

فكل أدوات النجارة والسمكرة، وأدوات الجراحة والمداواة، لا يمكنها أن تعيد لنا تلك المفقودات القيّمة، ولا يمكنها إصلاح العطب الذي نَخَر في نفوسنا، ولا يمكنها إصلاح الزجاج المكسور، مهما حاولنا ذلك بكل قوتنا.

ذلك الفقد، وتلك القدرات المفقودة، وتلك الرحلات الفارغة، لن تعني نفس الشيء لكل البشر.. فالفقد والحزن ختم مطبوع فوق القلوب، ولا يمكن محوُه بأي شيء.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X