fbpx
كتاب الراية

خواطر.. كل عام دراسي وأنتم بخير

خذوا الملاحظات الصحية والسلوكية على محمل الجد.. ولكن لا تدعوها تعكّر صفوكم

«مريم سيدة متعلمة موظفة وربة أسرة من ثلاث بنات وولد، تشتكي مُدرّسة ابنها من فرط حركته وتشتت انتباهه، هو أصغر أبنائها ولا يتجاوز عمره خمس سنوات، تُقرر الأم الاستعانة بطبيب نفسي يُشخص حالته ويُرشدها إلى أفضل الطُرق لمساعدته. يرفض أبوه الفكرة قائلًا: ابني ليس مريضًا نفسيّا، استقيلي وتفرغي للعناية به.

الأم: ومن قال إن من يلجأ للطب النفسي يعاني من مرض نفسي؟ الصحة النفسية والجسدية تؤثر إحداهما على الأخرى، أنا بحاجة للتوجيه، سيجري له الطبيب تقييمًا شاملًا لنعرف أسباب قلة تركيزه وفرط نشاطه الذي يؤثر سلبًا في تحصيله الدراسي ويزعج زملاءه وهيئة التدريس، نحن أبواه وكثيرًا ما نتضجر من تصرفاته وتخريبه في البيت.

الأب: قُلت لكِ إنّه ولد ومن المفترض ألاّ يكون هادئًا كالبنات، ابني طبيعي لكنه شقيّ ولا يحب الالتزام بأوامر المُعلمة، يبدو أنها متسلطة بينما هو مُصاب بالرجولة المُبكّرة ويرفض الانصياع لأوامر الإناث!.

نعم.. إلى يومنا هذا يرفض الكثيرون الطب النفسي لتشخيص السلوكيات المختلفة وطرق علاجها، يُقنعون أنفسهم أنها سمات شخصية، ولا بأس في ذلك، لكن الفرق كبير بين النشاط العادي وعدم القدرة على الجلوس والتركيز لأكثر من دقائق، وبين النظر المباشر للعين خلال الحوار وبين من يتجنبون ذلك، هناك فرق بين الخجل والانطواء على الذات، وبين الكسل والاكتئاب، وبين النظافة والوسواس القهري، وبين حب ترتيب الأشياء، والتوتر الحاد عند اختلاف ترتيب المنظومات المُبرمجة في الأذهان.

ينزعج كثير من الأهالي من تقييم المعلم وملاحظاته، ويعتبرون ذلك انتقاصًا لهم، ويعزون الخطأ للمُعلم وبيئة الفصل، ويرون أن الأقساط الباهظة كفيلة بأن يحظى أبناؤهم بالتعليم والرعاية المتكاملة.

وكثيرًا ما يضيع الأبناء في مثل هذه المواقف، فبدل أن يكونوا المحور وتتكاتف الجهود لمساعدتهم، نجد اللوّم سيد الموقف: أنت السبب، لو كنت مهتمًا لما حصل كذا، يبدو أنها جينات أهلك، ليس بحاجة لعلاج، بل لعنايتك وتفرغك، أنت أفسدته بالدلال، أنت قاسٍ في عقابه… إلخ.

حتى لو كان شيء مما سبق واردًا فذلك لن يحل المشكلة، إنّ كل نقاش يبدأ بأنتِ أو أنتَ يضيع الهدف منه، وينتهي بجبهتين من هجومٍ ودفاعٍ كفيلين بإفساد الوُد، وقطع سُبل التواصل البنّاء.

ها قد عُدنا للمدارس، وما زال أغلبنا يعاني سلبيات الجائحة التي أقعدتنا في البيوت وخلف الشاشات، لقد تضرر بعضنا نسبيًّا جرّاء اختلال نظام البيت، ونقص الموارد، والترفيه الاجتماعي والتواصل المباشر، كما تكشّفت لنا مزايا وسلبيات أفراد الأسرة، التي كانت تفترق كل صباح لأكثر من ثماني ساعات، ونحمد الله على هذه التجربة التي جعلتنا نتعايش معًا على مدار اليوم.

خلاصة القول، لا يوجد أحد كامل، فلا تجزعوا من معاناة الأبناء، خذوا الملاحظات الصحية والسلوكية على محمل الجد، ولكن لا تدعوها تعكّر صفوكم، بل اجعلوها سببًا في تجمعكم.

يحتوي الإنترنت على مواقع متخصصة جدًا في الصحة النفسية، لرفع مستوى التوعية، وتمييز السلوكيات العادية من غيرها، وملاحظة الفرق بين ردود الأفعال الطبيعية المؤقتة، وبين التمادي فيها وتحولها من حالة عارضة إلى مزمنةٍ، لا تخجلوا من الإفصاح للمختصين طلبًا للعون والإرشاد، فالكل يعاني بصمت، والأسرة السويّة نواة المجتمع الصالح.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X