fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. صناعة الفرح .. جهد إنساني نبيل

الفرحُ لا يُصنع بالمال ولكن بالرغبة في الترويح عن النفوس بعد عنائها

الشعوبُ الكادحةُ التي تنشغلُ بالعملِ الجادّ والإنتاجِ المُثمِر، هيَ الشعوبُ التي تستطيعُ صناعة الفرح والاستمتاع به، وبأبسط الطّرُق وأقلّ التّكاليف، في سبيل تَعويضِها عَنْ عَناءِ ساعات العملِ المُضنيَة طوالَ الأسبوع، فما أن تحلّ أيام الإجازات الأسبوعيّة، وما أن تهلّ المُناسبات الدوريّة، حتى تبدأ الاحتفالاتُ مِن أجْل التخلّص من مُعاناة العَمل وأعبائه، والإقبال عليه مِن جديد برُوح مُفعمَة بالنّشاط والشّغف المِهنيّ، الذي يضمنُ إنتاجًا أكثرَ جودة وأغزر كمًّا وكيفًا.

لكنّ الشعوبَ المُترفَة التي تصنع الفرح بالمال الذي تُغدقه على مُناسباتها الخاصّة والعامّة، قلّ أن يدوم في وجدان أفرادها هذا الفرح، إذ يُمكن تسميته بأنه فرحٌ مفتعلٌ يرتبطُ بتلكَ المناسباتِ ارتباطًا مؤقتًا، لأنه يُفرزُ فرحًا مُصطنعًا، ما يلبثُ أن يزولَ ليفسحَ المجالَ لفرحٍ آخر مدفوع الثمن، لا يلبث أن يزولَ أيضًا، لأنّ أكثرَ من يصنعونَه لا يعرفُونَ المعاناةَ في أعمالِهم، ولا يتعاملُون معَها بما تستحقّه من الجدية والإخلاص، يقضُونَ معظمَ أوقاتِهم في الثرثرة وتصفّح الجرائد والتململ في انتظار انتهاء ساعات العمل، غير مُتعبين جسديًّا أو فكريًّا أو نفسيًّا، فأين المعاناة في ذلك، مما يعني أنّ الفرحَ لا يُصنع بالمال، ولكنْ بالرّغبَةِ في الترْويحِ عن النّفوسِ بَعدَ عَنَائِها، والقلوب بعد مكابداتها، والإمساك بلحظات الفرَح أطول مدة ممكنة، فهوَ نابعٌ مِنَ الأرواحِ المُتعبَة والمُتعطّشَة لساعاتِ الفرَح كملجأ يقيها وعثَاء الحياةِ ورمضاءِ الكدّ والنّكد، ولذلكَ هو يدومُ في ذاكرةِ أصحابِه أكثر، وفي وجدانهم أعمَق، لأنّه مِنَ القلبِ ينبعُ بِصدق، وفي القلبِ يستقرّ بأمان.

صناعةُ الفرحِ لا تحتاجُ إلى أموالٍ طائلة، ولكنّها تحتاجُ إلى فكرٍ مستنيرٍ، وعقولٍ متفتحةٍ، تعرف بأنّ القلوبَ إذا كلّت عَميَت، كما ورَد في الأثر (روّحوا القُلوبَ ساعَةً بعدَ ساعَةٍ.. فإنّها إذا كلّت عَمِيَت).

قبلَ أسابيعَ شَهِدْتُ حَفلًا رائعًا في جامعة أنديانا  ساوث بند حيث أقضي النصف الثاني من بَعثتي العلميّة مِن جامعة قطر، بمُناسبَة بَدْءِ فصْلِ الخريف للتّرحيبِ بالطُّلابِ الجُدد لكسْرِ حاجز هيبة الدّراسة الجامعيّة وتعريف الطّلاب الجُدد بالأجواء الجامعيّة، وتوثيق الصّلة بينَهم وأعضاء هيئة التّدريس، فكان الفرح والبهجة والسرور سمات مطبوعة على وجوه الحاضرين. وقبل ذلك بأيّام حضرتُ احتفالَ بدءِ الدّراسةِ في مدرسة «ميشاواكا» الثانويّة، بمُناسبَة دُخول ابني إبراهيم هذه المدرسة بعد اجتيازه المرحلة الإعداديّة، وهيَ احتفاليَّة تضمّنت تعريفَ أولياء أمور الطّلاب بمرافق المدرسة، والتّعرّف على مدرّسيها، وإشعار طلّابها الجُدد بأنّهم أسرة واحدة، في أجواء احتفالية مُفرحة للجميع، تُلغي أي تردّد أو خوف مِنَ الطّلاب في مرحلة جديدة لا يعرفون من أسرارها شيئًا.

ومثل هذه المناسبات التي نمرّ عليها في مدارسنا وجامعاتنا العربيّة مرور الكرام، نجدُها في بعض البلدان فُرصَة مُواتية للاحتفاءِ بها، وإشاعَة الفرَح في أجوائِها، دونَ كلفة ماديّة تُذكر، وما هي سوى إجراءات تعتاد عليها المؤسّسة التعليميّة، وتُصبح بالنسبة لها كأيّ عملٍ إداريّ القيام به واجب، للاستمتاع بما يتخلله من فعاليات تجسّد البهجَة الطافحَة على الوجوه، حيث تلغى الحواجز الطبقيّة، ليُصبح الجميع رهْن العوامل الإنسانيّة التي تزيل التحفّظ في المُعاملة أو التردّد في قبول الآخر، وفي مثل هذه المناسبات تغيب كل عوامل واحتمالات الخلاف بين الناس، وتسود المشاعر الإنسانيّة النبيلة التِي لا تعرف سوَى حبّ الخير والتفاني في قَبولِ الآخر، ولن يعرف لذة الفرَح، إلّا مَنْ عرَف لذّة تعبِ الوُصولِ إليه.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X