fbpx
كتاب الراية
جلست أسترجع الذكريات وأتذكر كيف كانت ترعانا بحبٍ وخوفٍ

كلمات من القلب… أمي يا نبض قلبي

من واقعٍ قد يعيشه العديدُ منّا حينما ينسحب الأبُ أو الأمُّ لعالم خاصٍ بهما فيسبح بعضنا بالذكريات والتخيّلات والتهيُّؤات ما بين الواقع والخيال، ما بين الشّعور بأنه وحيدٌ في عالم مُخيف لا يعرفه.

أُمّي تنسى أو تتناسى

لا أعرف كيف تغيّرت أمي، أصبحت تنسى كثيرًا ولا تدري أين تضع الأشياء، عصبية أحيانًا وأحيانًا أخرى لا تتوقّف عن البكاء. سألتها أُمّي الحبيبة: ما بكِ لمَ لا تتصلين بي؟، تتحجّج بكلماتٍ: أنا مشغولة، أنا متعبة، وأحيانًا تقول: أنتِ اتصلي بي، وإذا اتصلتُ بها لا ترد لم تعد تهتمّ بحبي لها. أحبك يا قلبي، أين أنتِ؟!، هذا ما أقولُه في قلبي ويدورُ في فِكري.

أمي تتحجّج بالتعب والمرض، أشعر أنها بدأت تعيش في عالمها الخاص بها غصبًا عنها، فليس لها اختيار في شيء.

كلما اقتربت منها لأرتشف الحبَّ والحنانَ اللذين كانت ينابيعهما لا تنضب، تتحجّج بالتعب، وتبدأ بالبكاء.

قرّرت أن أراقبها لأعرف هل أمُّي تُعاني من مرضٍ أو مشكلة، كانت مُراقبتي لها بلطف وحبّ، وفي قلبي خوف أن أفقد أمّي حبيبتي إلى الأبد. من عادات أُمّي أن تهتمّ بأدقِّ التفاصيل، ولكن لا تشكّ في أحد أو شيء، فهي تترك كلَّ شيء لله، وكلها ثقة، لكن هذه المرّة غير كلّ المرّات، فأمي أخذت تشك في أنَّ الخادماتِ يُردْنَ بها سوءًا، وأنّ منهنَّ مَن تسرق ومَن تتجسّس عليها، أصبحتْ مشغولةً بمُراقبة الخادمات، وقلقها أنهنّ سببُ ما هي عليه من خوفٍ وقلق. قررتُ أن أريحها، وبالفعل كنت أحاول أن أغيرهنّ وأريحها، ولكن سرعان ما تعود للشكّ والخوف والغيرة منهنّ.

أمي لم تعد تتحمّلهنّ لأنّها أصبحت تراهنَّ مصدر القلق، والغريب أنها تصرّ على تواجدي معها وعدم تركها لأنها تخاف، كنت أشعر أحيانًا أنها طفلتي وليست أمي، حتى أنني كنت أتعامل مع خوفها بكل الأساليب التي ترضيها، ولكنَّ القلق والتوتّر صاحبهما قلة نوم، مع تجوال مستمرّ في كل مكان. ما أجمل أن أضع رأسي في حضن أمي لتهوِّن عليَّ الدنيا وما فيها، ولكن الآن أجدني أواسي نفسي. مع مرور الوقت توصلت إلى أنَّ أُمّي أصبحت شخصًا لا يتذكر أماكن الأشياء بل وتجمع ما لديها من ملابس وجوال وأوراق في حقيبة حتى لا يأخذها أحد.

أمي قلقها أن تضيع الأغراض، أو يسرقها أحدٌ، جلست أسترجع الذكريات وأتذكر كيف كانت ترعانا بحبٍ وخوفٍ، وكيف أنَّها كانت في حالة قلقٍ مستمرٍّ لأبسط الأمور.

أُمي أصبح لها عالمُها الخاصُّ، لا تعرف فيه أحدًا، وإن عرفت سرعان ما ترجع لهذا العالم. قلقها مما سيقوله الناسُ عنّا، فأُمّي كانت تفكّر في الناس، وماذا يقولون حتى على حسابِ راحتنا، حاولت أن أضمّها إليَّ وأهوِّن عليها لاحظتُ، يا الله!، أنها عبارةٌ عن جسمٍ هزيلٍ لا تحبّ أن يضمّه أحدٌ. أمي مريضة زهايمر تُعاني من فقدان الذاكرة وتشوّش المفاهيم.

بطاقة إرشاديّة

أُمّي يا نبض قلبي، أنا معك، ولن أتخلّى عنك، وأعلم أنك بحاجة لي، ولكن، واللهِ، حاجتي لك أكبر.

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X