fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. الأماكن الفسيحة.. التي نشتاق إليها!

المباني العربية الحديثة لم تأخذ في الحسبان أهمية وجود الأماكن المفتوحة

لا يقتصرُ تأثيرُ المكان على التكوين الجسمانيّ والشكل العام للفرد والجماعة، بل نراه يتعدّى ذلك إلى التأثير المُباشر في المزاج العام، وأحيانًا يتعدّى ذلك إلى العادات المُكتسبة التي يضفي عليها المكانُ ألوانَه وصفاتِه ومُناخَه الطبيعي، لذلك تختلف أجسامُ النّاس وملامحُهم وعاداتُهم باختلاف طبيعة المكان الذي يعيشون فيه، وهنا يمكنُ القول: إنَّ البيئةَ الطبيعيةَ ليست وحدَها المُؤثّرةَ في طباع الناس وأمزجتِهم، بل إنّ الطبيعةَ الصناعيّةَ لها أيضًا تأثيرُها في الناس، وأقصد بالبيئة الصناعّية: المنشآت التي تُقام في المدن باختلاف أنواع وأشكال وأغراض هذه المنشآت، لذك نجد في المدن الغربية ومنها المدن الأمريكيّة، الشوارعَ الواسعةَ والميادينَ الفسيحة والمساحاتِ المزروعةَ على نطاقٍ واسع، حتى في المناطق الصحراويّة، حيث تقلُّ الأمطارُ وتجفُّ الأنهارُ، وبإرادة الإنسان وعزيمته، يصنع خططَ التنمية الطموحة، ليحيلَ القفارَ إلى واحاتٍ خضراءَ بعد أن يجلبَ لها المياهَ بوسائل تقنية حديثة إذا شحّت مصادرُ المياه الطبيعيّة.

ما يهمُّنا هنا ما نشاهدُه في تلك المدنِ، والقرى أحيانًا من عنايةٍ بالمساحاتِ المفتوحةِ المهيَّأةِ للمشاةِ واستقبالِ الناس، وخاصةً السياحَ، بعيدًا عن إزعاجِ حركة السيارات، وما تنفثُه عوادمُها من أدخنة تلوّث البيئة، وعلى جوانب تلك الميادين تنتشرُ المقاهي والمطاعمُ والحوانيت الصغيرة التي تبيعُ التحفَ التذكاريةَ الصغيرة، وأحيانًا المجمعاتُ التجارية الكُبرى التي قد يحتاجُها السياحُ، مع احتوائِها على بعضِ الجوانب الثقافيّة، كمنزل أثريّ لأحد المشاهير من أبنائها.. يتحوّلُ إلى متحفٍ يضمُّ أعمالَه وآثارَه، أو نصبٍ تذكاريّ لأحد الأحداث التي تركتْ بصمتَها الواضحةَ في تاريخ تلك المدينة، أو يضمّ مكانًا لصناعة تقليدية اشتهرت بها تلك المدينة، وهذه الساحاتُ المفتوحة تعتبرُ من الأماكن السياحة التي تلقى إقبالًا كبيرًا من قبل الجميع.

في مدينة ساوث بند التي أقطنها في الفصل الثاني من بعثتي العلميّة، لاحظتُ اتّساعَ الأماكن المفتوحة أمام العمارة التي أسكن في إحدى شققها، علمًا بأنَّ هذه المدينةَ صغيرةٌ نسبيًا، لكنها ذات أماكن فسيحة، تُمتع النظرَ؛ لأنّها مكسوةٌ بالخضرة الحافلة بأنواع الزهور والورود التي تقضي على التلوّث البصري، كما هو الحال في المدن العربيّة المُتراصّة في أبنيتها ذات النظام العمراني المُستحدث، أو المُستنسخ بشكل عشوائي، لتبدو مبانيها أشبهَ بالعلب المتراصة جنبًا إلى جنب، في أحياءٍ شوارعُها ضيقة، ومنازلها متلاصقةٌ، مع أنَّ الأحياءَ القديمة في المدن العربية غالبًا ما تتخللها مساحةٌ مفتوحة فيما نسميه بالبراحة، التي اختفت بفعل الامتداد العمراني الذي يستغل كلَّ مساحة في أي حيّ لتحويلها إلى عمائر سكنية، حتى زحفت الأبنيةُ على المساحات الخضراء، وقلّصت الرقعةَ الخضراء في بعض المدن العربية، بينما تمتدّ حول هذه المدن من جهاتٍ أخرى مساحاتٌ لا تحدّ من الصحراء القابلة للعمران، وهذا التطوّر العمراني غالبًا ما تكون ضحيته الأماكن المفتوحة في تلك المدن، ناهيك بالقرى الصّغيرة والضواحي والأرياف.

وجودُ الأماكن المفتوحة، التي لا تدخلها السيارات، هو أشبه بالحدائق العامة التي يسهل التنقل في أرجائها دون إزعاج أو قلق أو خوف من الازدحام وتبعاتِه، وأحيانًا ارتياد المقاهي أو المطاعم أو التسوّق بمنتهى الراحة والسّهولة.

صحيح أنَّ المباني الحديثة والعمارات الشّاهقة في المدن العربية قد قضت على العشوائيات في البناء، وأضفت لمسةً جماليةً على مبانيها، لكنّها لم تأخذ في الحسبان أهميةَ وجود الأماكن المفتوحة والميادين الفسيحة التي تضفي دون شكٍّ على هذه المدن لمساتٍ جماليةً، مُضافًا إليها فوائدُ ثقافيةٌ وصحيةٌ ونفسيةٌ. وهذه هي الأماكنُ التي نشتاقُ إليها.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X