fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة …القيادة الجماعيّة

أكثر ما يعاني منه الكثير من المنظمات هو اعتمادها على أسلوب القيادة الفردية

أذهلني مقطع فيديو انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي لخليّة نحل تقوم بمهمة إنقاذ نحلة أوشكت على الهلاك، ومن يتتبع حياة النحل سيجد الكثير من الدروس التي تعكس فطرة العمل الجماعي لهذا الكائن الدؤوب، وكيف تعمل على مبدأ التنظيم وفرق العمل المشتركة وتوزيع المسؤوليات والعمل بأعلى درجة من الكفاءة والفعاليّة.

قادني هذا المشهد إلى الحديث عن مفهوم القيادة الجماعيّة باعتبارها الخيار الأمثل لمنظومة الأعمال في العصر الحديث، وهي السبيل الصحيح لحل معوقات العمل وتشابكاتها في ظل هذه المرحلة المُعقّدة التي نعيشها والاتجاهات المتغيرّة في منظومات الأعمال وعلى رأس الساعة.

فإذا كانت وظيفة القيادة تمثل جوهر العملية الإدارية وقلبها النابض، فهي الرأس من الجسد في إدارة المنظمة، وتعتمد عليها المُنظمات في تحقيق النجاح وتجنب الفشل والضمور؛ ولذا فإنه من الضروري البحث عن سُبل لتطوير العمل القيادي ودمج أدوات حديثة في صناعة مفاتيح سليمة لاتخاذ القرارات الصائبة والرشيدة وقيادة المُنظمات نحو الرقي والتألق.

ومن يتتبع تطوّر نظريات الإدارة يجد تسارعًا كبيرًا في ابتكار خبراء الإدارة لمفاهيم ونظريات جديدة في تطوير مبدأ قيادة المنظمات، ففي السابق ركّزت النظريات على حصر القيادة في شخص واحد، ولذلك أصبحت المنظمات مرهونة بقرارات الفرد، الأمر الذي تسبب بظهور ما أطلق عليه بالقيادة التعسفية، والقيادة المدمّرة، والقيادة السلبية، والدكتاتورية، أما الآن فقد اتجهت المنظمات إلى مفهوم القيادة الجماعية والتي تعمل على إشراك العاملين في المنظمات في اتخاذ القرارات وتحمّل المسؤوليات.

إن أكثر ما يعاني منه الكثير من المنظمات في عصرنا الحالي هو اعتمادها على أسلوب القيادة الفردية، وليس إدارة فرق العمل، ولذلك أثبتت التجارب الحديثة أن القرارات الصادرة من قيادة جماعية تكون نسبة الخطأ فيها أقل بكثير من الخطأ الصادر عن القيادة الفردية، وتقول التجارب إن العمل الجماعي هو الثقافة السائدة في أكثر المنظمات ابتكارًا حول العالم.

لقد أصبحت القيادة واتخاذ القرارات الاستثنائية لعبة جماعية، ولم يعد المجال الآن مناسبًا لنظريّة الرجل العظيم والقائد المؤثر، فمهما عظمت قدرات الفرد ومهاراته، فلا ينبغي أن يصل الأمر إلى الاتكال الكامل عليه والارتهان لقراراته الآنية والانفعالية وغير المدروسة أحيانًا.

تكمن أهمية القيادة الجماعية أنها فلتر دقيق أمام تسرب القرارات الفردية المُستعجلة، ومن خلالها نستطيع ضبط قرارات المنظمة وزيادة جودة أثرها، ومهمتها الرئيسية تقوم على توزيع الأدوار والصلاحيات من الفرد القائد إلى مجموعة من الأفراد من المديرين ورؤساء الأقسام وبعض الأفراد الفاعلين للتشارك في صناعة القرار الرشيد.

ومن مزايا القيادة الجماعيّة أنها تشجّع على استثمار التنوع في المهارات والقدرات والتخصصات المختلفة لدى فريق العمل، ويتم من خلالها توزيع المسؤوليات وإنضاج القرارات، ولا يقتصر الأمر على هذا المستوى بل تتحوّل تلك القرارات إلى أجهزة ولجان الرقابة التي تتكفّل بمراجعة ومراقبة قرارات القيادة الجماعية، وبذلك تقل درجة ارتكاب الأخطاء في القرارات بشكل كبير.

البعض قد يرى بأن القيادة الجماعيّة تلغي دور الفرد بشكل مطلق، والعكس هو الصحيح، فهي تضمن وتشجع المبادرات الفردية لصناعة القرار الصائب، بل توفر لكل فرد في الفريق فرصة حقيقية لتطوير مواهبه وقدراته، وتشجّع على ظهور قيادات جديدة، وتخفف العبء عن القائد وتدفعه للتفاعل مع الجماعة، كما أنها تخفف من الصراع الفردي وتصنع حالة من الانسجام النفسي والعلاقات الحميمية بين مكونات الفريق، يقول الدكتور غازي القصيبي في كتابه حياة في الإدارة «افتح المجال أمام الآخرين وسوف يذهلك ما تراه من منجزاتهم».

بالتأكيد إن القيادة الجماعيّة لا تعني إهمال رمزية وظيفة القائد أو المدير والتي تتمثل في التخطيط والمتابعة والتوجيه والتطوير والتواصل الفعال والتحفيز وتنسيق الجهود وحشد القوى وغيرها من الجهود التي تتطلب الجهد والوقت والمهارات الفعالة.

مجمل القول أن القيادة الجماعية عنصر مهم ومحوري في تعزيز أداء المنظمات وتحقيقها لأهدافها، وهي الحل الناجع للحد من الخلافات والاجتهادات الفردية، وهي السبيل إلى انتشار السلوك القيادي في كافة أرجاء المنظمة وبذلك تكسب ميزة تنافسية إضافية.

استشاري تدريب وتنمية

بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X