fbpx
المنبر الحر
لو كانت الحياة تهدى لأهديتك عمري وسعادتي

قصة كفاح أبي

بقلم – هبة إبراهيم مطاوع

اليوم ذكرى وفاة أمّي الثانيةُ والعشرون، رحلت أمّي وتركت أبي وحيدًا؛ لديه ثلاث بنات أكبرهن أنا، وكان لدي من العمر عشر سنوات، وأختي الوسطى، وكان عمرها ثماني سنوات، أما أختي الصغرى فكان عمرها خمس سنوات، وهنا وقف أبي حائرًا على مفترق طريق الحياة، هل يتزوج ويتركنا؟ أم يمضي ويعبر بنا إلى برّ الأمان، وكان الاختيار صعبًا، فاختار أبي القرار الصعب؛ ولم يتزوّج وظلّ على ذكرى أمي وفضلنا على نفسه، وكيف يتزوّج وقد ذاق مرارة الحياة! فقد تزوج والده سبع زيجات، فتجرع أبي ويلات زوجات الأب واحدة تلو الأخرى، فعاش أبي برفقة صغيراته، أبًا وأمًّا في آن واحد، يطبخ ويغسل ويدرس ويربي لم يكل ولم يمل، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، مرض أبي وذهب للأطباء برفقة صغيراته فكنّا صغيرات حجمًا ولكنا كنّا كبيرات في المسؤوليات، خاصة أنه رفض أن يهتم أيّ أحد غيره بأمورنا أو تربيتنا وكنّا له الحياة، وشفى الله الأب الصابر لتكتمل مسيرته معنا.

ومرّت الأيام بكل ما تحمله من حلاوة ومرارة، وكان أبي يعمل ليلًا ونهارًا من أجل أن يوفر لنا حياة كريمة، فتعلمنا وكبرنا وصرت أنا معلمة، وأختي الوسطى اختصاصية نفسية، أما أختي الصغرى فأصبحت معلمة تربية رياضية ومدربة في آن، وعندما جاء أبي ليجني حصاد ما زرع حاربته الدنيا فينا؛ حيث غيرة وحقد القريب قبل الغريب، ولكن إرادة الله دائمًا تنتصر لنجتمع مرة أخرى بعد وشايتهم بيننا. كنت أردد أن فاجعتي الكبرى يوم وفاة والدتي ورؤيتي للحظة خروج روحها إلى بارئها، ولكن جاء اليوم الأشدّ صعوبة وألمًا يوم سقوط أبي مغشيًا عليه في أحد الطرق من هول صدمته وألمه بمشكلات العائلة، فشعرت أن الحياة أظلمت، فدعوت الله أن يحفظه، فاستجاب الله دعوتي وحفظه لنا بمعجزة من عنده، بعدما وصل ضغط أبي إلى صفر، عاد أبي لنا وعادت معه الحياة من جديد.

وفكرت أن أهديه هدية أهنئه على سلامته وصادف ذلك ذكرى وفاة أمي لتكون الهدية تكريمًا لسلامته ولقيامه بدورَي الأم والأب على أكمل وجه، فكان التكريم تلك الكلمات لتظل محفورة ومسطرة للتاريخ، دمت لنا أبًا وذخرًا أيها الأب المثالي، فلو كانت الحياة تهدى لأهديتك عمري وسعادتي، فتلك الكلمات ردّ الجميل وهي تعبير صادق عما بذلته من أجلنا، فإذا جفّ القلم لم يجف الحب بقلبي، وإذا انتهت الكلمات لن تنتهي الدعوات، سأظل أحكي قصتك يا أبي؛ لأعلم الأجيال معنى الوفاء والكفاح، لتظلّ سيرتك خالدة وعلامة مميّزة تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X