fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. شهرزاد في عصر السلطة

ابتكرت شهرزاد العلاج الشافي لأول مرة للمرضى بالعلل النفسية القاتلة

حين اتكأت شهرزاد على الوسادة السلطانية، وهي تنوي فتح الآفاق في ذهنها المليء بالغرائب والعجائب، لم تكن تفكر أن ما تقوله تلك اللحظات، سيتم حفظه في أروقة التاريخ الأدبي، وسيتم نقل الكثير منه، وتغييره لما يتناسب مع البيئة المسؤولة آنذاك، وسوف يتم عرضه على الملأ في كل بقاع الأرض، بالصوت والصورة المتحركة الملونة، وبالموسيقى والغناء.. وخاصة أننا نعلم أن شهرزاد قد طرّزت حكاياتها الليلية بعدد من أبيات الشعر الدالة حينها على الموقف والأحداث في قصتها الممتعة والمشوّقة..

بل كانت تحاول بهذه الحكايات، أن تهدهد بال سلطان همه الأساسي في الكون قطع رقاب النساء، فقد رأت شهرزاد دون أن تستشير أخصائيًا نفسيًا، أن هذا الشهريار، ما هو إلا طفل شقي عابث، لم تؤدبه النساء، بل غيّرته المواقف، وغرست في أعماقه حقدًا متناميًا لهذه المخلوقة الرقيقة.

بهذه الفكرة، حاولت شهرزاد إلهاء هذا الإنسان الذي لا يتعامل في قصره إلا مع مسرور السياف، والذي يظل أمام باب المخدع بانتظار إشارة من هذا الكائن المتقلب، لينتزع رأس فتاة ما ويلقي بها بين أحضان الموت والغياب..

كانت شهرزاد هذه ابنة لوزير له مكانته في قصر شهريار، إلا أن هذه الابنة حين شاهدت سيف شهريار لم يدع في البلاد فتاة ولا امرأة، إلا قسمها إلى قسمين، رأس وجذع، دون أي سبب، ودون أي جريرة، سوى أنها وُلدت فتاة، قررت وحدها أن تكون اليد المُنقذة لبنات جنسها، والفكر الذي يعيق هذا السلطان عن القضاء على إناث السلطنة.

فقد شكت في أمر العقلية التي يتمتع بها هذا الشهريار، فاقترحت بينها وبين نفسها، أنه أكمل، ما قام به الإنسان الجاهلي، الذي كان يدفن الأنثى بالحياة بمجرد خروجها من رحم أمها، ليحرمها من أنفاسها الطبيعية، ويلقيها بين أتون الموت دون ذنب، ودون إثم، فقط لأنها أنثى.

لم تكن شهرزاد قد تلقت تعليمًا في علم النفس، ولم تطأ قدمها أي جامعة حديثة للتعليم العالي، ولم تعلق في غرفتها شهاداتها الكثيرة والتي حصلت عليها من المدارس والجامعات التي طرقت بابها، أو من التكريم الذي تحصل عليه كلما قدمت محاضرة ما، أو ورشة خاصة بالنفس الإنسانية، والعقد النفسية، ولم تنشر أي دراسة أو بحث حول الأمراض النفسية الكثيرة التي تصيب الإنسان بأسباب متعددة.

لكنها استقت من الحياة حولها كل العلوم التي كانت تحتاج إليها النفوس الضائعة كنفس شهريار، جلست بهدوء وتركيز تام، في جلسات الرواة، التي كانت تعقد في عصرها في المقاهي، واستمعت للرحالة القادمين من سنوات بين أحضان البحار، والبراري، يطوفون من بحر إلى بحر، ومن مدينة إلى أخرى، يشاهدون بأعينهم أحداثًا لم تكن تخطر على البال، أو يقتطفون من كل بحر وبر، بعضًا من الحكايات والمغامرات التي كانت تُحكى وتُردد في المجالس والليالي الطويلة.

نعم، كانت هذه هي مصادرها التي استقت منها الحكمة والتجربة، والتي قررت في لحظة ما، أن تستخدمها كعلاج شاف، للمحنة النفسية التي يمر بها شهريار، دون الاستعانة بطبيب أو استشاري، أو موسوعات علمية، ودون محاولة البحث عن ترياق في مختبرات العلماء الكبار، من أجل محاولتها النادرة تلك، والتي كانت ستكلفها رقبتها، وعمرها، وصباها، وكل ما حاولت جمعه وحفظه في ذاكرتها من مآسي الآخرين، وأساطيرهم الغريبة، وحكاياتهم المشوقة.

لقد ابتكرت شهرزاد التي لم تكن تحمل حرف الدال قبل اسمها، العلاج الشافي لأول مرة في التاريخ، للمرضى بالعلل النفسية القاتلة، والمهلكة في أحيان كثيرة..

إذَنْ ما علينا الآن إلا أن نحيّي هذه المخلوقة، التي لا نعرف حقيقة وجودها، هي ومَن حولها، ونحيّي هذه الحكايات الرائعة التي لا تزال بعد قرون طويلة من الزمان، تُكتب وتُحكى، وتُنشر، وتُبتكر منها المسلسلات الكارتونية، وأفلام الشاشات العالمية، والتي تمت ترجمتها إلى معظم لغات الأرض..

تحية لهذه المرأة، التي أدركت قبل الآخرين، أن الرجل مهما بلغ من العمر أو الخبرة أو السلطان، ما هو إلا إنسان صغير، لا يزال بحاجة لمن يحتويه ويرعاه، ويغدق عليه الحب والحنان والاهتمام.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X