fbpx
كتاب الراية

آثار ارتفاع أسعار الغاز… و3 أسئلة سياسية!

سعر الغاز تجاوز 20 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية

عجز الإمدادات سيدفع لإعادة تشغيل محطات الفحم والطاقة النووية قريبًا

ارتفعت أسعار الغاز حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر منتج ومستهلك للغاز، ومن أكبر المصدرين في العالم.

فقد ارتفعت أسعار الغاز من نحو 2.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية في شهر مارس الماضي، إلى نحو 4.75 دولار أخيرًا (الحديث عن سعر الغاز المعياري المعروف بهنري هب).

أما أسعار الغاز المسال في الأسواق الآسيوية، فقد ارتفعت بأكثر من ثلاثة أضعاف في الأشهر الخمسة الأخيرة، وتجاوزت 20 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية أخيرًا، وهذا يعادل 100 دولار للبرميل، وقد تصعد إلى 30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية في المستقبل القريب.

ولهذا الارتفاع انعكاسات عديدة، وسأناقش في هذا المقال بعض الآثار المحتملة له.

المثير في الأمر أن السبب الرئيسي للأثر الكبير عالميًا هو تخلص الدول المتقدمة من محطات الكهرباء العاملة بالفحم والطاقة النووية، في الوقت الذي لن تفي فيه الطاقة المتجددة باحتياجات هذه الدول، وهو السبب نفسه الذي جعل البعض يعتقد أن أسعار الغاز ستستمر بالارتفاع وستبقى في مستويات عالية، وهو السبب نفسه الذي يجعلني أقتنع أن أسعار الغاز لن ترتفع كما يقول هؤلاء، وأن أي ارتفاع، ولأي مستوى، سيكون لفترة وجيزة فقط.

كيف يمكن شرح هذا التناقض؟ أعتقد جازمًا، وبناء على أدلة تاريخية كثيرة، أن ارتفاع تكاليف توليد الكهرباء أو أي عجز في الإمدادات سيجعلان عُتاة المنادين بمحاربة التغير المناخي يعودون لتشغيل محطات الفحم والطاقة النووية بحجة أنه تشغيل مؤقت لتفادي الأزمة.

ولكن بفرض أنني كنت مخطئًا، أو أن الطلب فاق التوقعات على الرغم من كل ما ذكر أعلاه، وارتفعت الأسعار، وبقيت في مستويات عالية، ما أثر ذلك عالميًا؟

كل البيانات والأخبار تشير إلى تحول العديد من الدول من الغاز إلى الفحم والنفط، الذي يعني بالضرورة زيادة انبعاثات الكربون، في الوقت الذي يهدفون فيه إلى تخفيض انبعاثات الكربون!

ويتضح من التطورات الأخيرة أن الدول المستوردة للغاز التي تخلصت من عقود الغاز المسال الطويلة المدة، وهي العقود المرتبطة بأسعار النفط، لصالح الشراء من الأسواق الفورية، ستدفع ثمن سياستها الخاطئة غاليًا. وتأتي الهند في مقدمة هذه الدول إذ اشتكت دائمًا من ارتفاع أسعار النفط، الذي رفع معه أسعار الغاز المسال، وضغطت على الموردين إما لإنهاء العقود وإما لتغييرها للحصول على عقود أفضل، وقررت الشراء من الأسواق الفورية لأن الغاز المسال كان أرخص.

من ناحية أخرى، وفي المقابل هناك محطات لم توقع عقودًا لكل سعتها، ومن ثم تستطيع هي نفسها شراء الغاز وتسييله وبيعه في الأسواق الفورية مثل الشركات الآسيوية، والأسعار الحالية مغرية، ومن ثم ستُصدر المزيد من الغاز المسال.

المشكلة أن بعض هذه الشركات الآسيوية قد تجد أنها تحقق أرباحًا أكثر لو أعادت بيع الشحنات إلى شركات أو دول أخرى في الأسواق الفورية، بخاصة إذا كانت تستطيع استخدام الفحم والنفط. فيزيد المعروض في السوق الفورية، ويضغط على الأسعار.

المشكلة أن عددًا من الدول التي تشتري الغاز المسال من الأسواق الفورية توقفت عن شراء الغاز المسال وتحولت إلى الفحم والنفط، ومن ثم فإن الطلب على الغاز المسال غير المتعاقد عليه ينخفض، وهذا بدوره سيخفض الأسعار.

المشكلة الكبرى أن ما ذكر أعلاه يؤدي في النهاية إلى زيادة انبعاثات الكربون، على عكس ما تريد الدول المتقدمة.

ولكن المشهد لن يكون كاملًا إلا إذا نظرنا إلى مصدري الغاز والمستفيد الأكبر من الارتفاع الشديد في أسعار الغاز هو الشركات والدول المصدرة، التي لم ترتبط بعقود طويلة المدى تم فيها ربط أسعار الغاز بالنفط، أو أن جزءًا من صادراتها غير مرتبط بهذه العقود. وبناء على ذلك، فإن ارتفاع أسعار الغاز لا يعني بالضرورة استفادة كبار مصدري الغاز والغاز المسال، وذلك لأنهم ارتبطوا بعقود طويلة المدى وهذه العقود أغلبها مربوط بأسعار النفط.

وهنا سؤال ثانٍ: في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الغاز، ماذا سيحصل للمشروع الأمريكي المقترح بشأن توفير الغاز المصري لكل من لبنان والأردن، بحيث يقوم الأردن باستخدام جزء من الغاز المصري ثم تصدير الكهرباء للبنان عبر سوريا، بينما يتم تصدير الغاز المتبقي عبر الأردن وسوريا إلى لبنان؟

والسؤال الثالث والأهم: هل سيؤدي ارتفاع أسعار الغاز الكبير لفترة طويلة من الزمن إلى اتفاق دولي على تحقيق الاستقرار في أفغانستان لنقل الغاز التركماني إلى باكستان والهند، وربما الصين، عبر أفغانستان؟

خلاصة القول: إنّ لسيناريو أسعار الغاز المرتفعة آثارًا اقتصادية وسياسية كبيرة، ليس لأنه يؤثر في إمدادات الكهرباء والنمو الاقتصادي فقط، ولكن لأنه يؤدي إلى زيادة انبعاثات الكربون بشكل كبير.

خبير في النفط والغاز

واستشراف مُستقبل الطاقة

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X