fbpx
المنبر الحر

ولا أنساها لطلحة

بقلم – ممدوح محمد الشمسي

كان سيّدُنا كعب بن مالك- رضي الله عنه- من الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر، فأمر النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- بمقاطعتهم حتى تاب الله عليهم بعد أربعين ليلة مرت عليهم قاسية مؤلمة، وجلس كعب مع ابنه يحكي له عن مشاعر الفرحة بتوبة الله عليه، فيقول له: (قام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة)، (رواه البخاري ومسلم). استوقفتني كثيرًا عبارة (ولا أنساها لطلحة)، فكم من المواقف تمرّ بنا، ولكنْ هناك موقف لا تستطيع أن تنساه لصاحبه، والسؤال هنا: لماذا لا نستطيع أن ننساه؟ قد يكون ذلك تبعًا للموقف نفسه ومدى تفرده، ولمدى حاجة الإنسان إليه، والأثر الذي أحدثه. فأوّل أمر ميّز تصرف طلحة -رضي الله عنه- هو أنه هرول إليه، أي: أسرع الخطى، وصافحه، دليلًا على مدى الفرحة في قلبه وكأن طلحة هو المعني بالتوبة وليس كعبًا، أما الشأن الثاني: فهو أنه لم يقم له أحدٌ آخر من كل المهاجرين إلا هو! فهذا هو التفرّد في الحب والتقدير لأخيه، وثالثًا: وهو عمق الأثر الذي تركه هذا العمل على قلب كعب -رضي الله عنه-، حيث كان في أَمَسِّ الحاجة لإحساسه بالانتماء والقرب من إخوانه المسلمين، بعد أربعين يومًا من المقاطعة التامة.

جميل أن تعطي الفقير في يده بعض المال، فلا ريب أن هذا يسعده، ولكن أن تدعو له وتربت على كتفه أمر آخر! فهو بالإضافة لكونه أمرًا مميزًا ومحببًا، فإنه لا يقوم به الكثير من الناس، وإنما يكتفون بإعطاء الصدقة، والمضي في طريقهم.

كذلك أن يقوم المعلم بشرح المادة والانصراف، فقد أدّى رسالة جليلة، وواجبه الذي سيُسأل عنه، لكن أن يُنشئ مع الطلبة علاقة أبوية أو أخوية، وينصحهم ويوجههم بما فيه النفع لهم ولأمتهم؛ لا ريب أنها إضافة أخرى متفرّدة. والطبيب الذي يعالج مرضاه ويهتم بهم يؤدي دوره، ولكن أن يتواضع لهم، وينصت لشكواهم، ويبثّ في نفوسهم الأمل في الله، والقدرة على مواجهة المرض، فيكون الطبيب الإنسان.

إضافة إلى المدير الذي يعدل بين الموظفين ويعاملهم وَفق القانون فهذا أمر محمود، ولكن هناك المدير القريب من قلوب العاملين، يشاركهم الابتسامة ويطمئن عليهم، ويقدر ظروفهم ويراعي مشاعرهم. ما أجمل أن تعطي وتبذل وتقدم، ولكن الأجمل أن تكون متميزًا في عطائك، متفردًا في بذلك، بإحساس صادق، وبقلب محبٍّ للآخرين، وعندها تستحق أن يقال لك: (ولا أنساها لطلحة).

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X