fbpx
كتاب الراية

أصواتنا أمانة.. وقطر تستحقّ الأصلح والأكفأ من أبنائها

الانتخابات القادمة لمجلس الشورى منعطف تاريخيّ مهم جدًا

علينا إدراك قيمة وقوة أصواتنا ووضعها في المكان الصحيح

مراجعة ثقافة التصويت لضمان وصول من يُمثلنا جميعًا ويُمثل وطننا

يحقّ مراقبة أداء المرشح الذي حصل على أصواتنا

نسأل الله أن يجعل لنا في هذه التجربة كل الخير لوطننا

سألني زميلٌ أمريكيٌّ «كيف حالكم مع التجربة الأولى للديمقراطية القادمة، هل أنتم فعلًا مستعدون لها»؟ أجبته باختصار «لا يمكن وصفها بالتجربة الديمقراطية كما هي في الغرب وقد نحتاج لعقود لبلوغها والمحافظة على إبقائها صحية، ولكنها التجربة الأولى لنا للمشاركة الشعبية في السلطة التشريعية، وأخذًا في الاعتبار حداثتها فلا يمكن تقييمها بما في ذلك استعداد الشعب لها ومدى نجاحها إلا بعد دورتَين وربما أكثر».
لا يختلف اثنان على أن الانتخابات القادمة لمجلس الشورى منعطف تاريخي مهم جدًا وسيؤثر في «هوية وقوة السُلطة التشريعية» ودورها المأمول محليًا وخارجيًا، وسيعول المنتخبون على الأعضاء القادمين في تمثيلهم الداخلي في بحث ومناقشة شؤونهم والتمثيل الخارجي للوطن. في الواقع، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها ولا بد من استيعابها جيدًا من قبل الناخبين، ألا وهي أن أعضاء المجلس القادم، وبعيدًا عن أي نقد لقانون الانتخابات وما أفرزه من جدليات وقوة تأثير «القبلية» في مسار ومصداقية التجربة الحالية، فإن أعضاء المجلس لن يمثلوا أي ناخب/‏قبيلة/‏دائرة بعينها، بل سيمثلون الوطن ككل. وأسترجع هنا حوارًا مثريًا بيني وبين طلبة الماجستير في معهد الدوحة للدراسات العليا في أحد المقررات في ربيع 2019 حين كنا نناقش الانتخابات القادمة وأثرها في الإصلاح المؤسسي، حيث سألني أحد الطلبة – ولم أكن أعلم حينها أنه من نفس دائرتي الانتخابية- إن كنت سأرشح نفسي فأجبته بالنفي من باب إعطاء الفرصة لغيري من الكفاءات القطرية النسائية، ولكني سألته من باب الفضول: «هل ستصوت لي إن كنت من دائرتك؟ ومن أفضل المرشحين علمًا وخبرة وخدمة للوطن؟ فأجابني مباشرة وبدون تردد: «كلا، سأختار المرشح من قبليتي» فسألته: «هل تعتقد أن ابن قبيلتك عندما يصبح عضوًا في المجلس سيُمثلك وقبيلتك فقط وأن ممارسته لمهامه وصلاحياته ستكون لصالحك وقبيلتك فقط؟ وهل ممارسته لحقه في استجواب أي مسؤول سيكون لقضاء معاملة لك أو لعلاج معضلة خاصة بك وقبيلتك فقط؟ ومن باب بعض أمنيات الناخب ووعود المرشح، هل سيمنحك الأرض التي تريدها؟ وهل سيضمن لك التسهيلات الإدارية والمالية اللازمة لإنشاء مشروعك التجاري؟ وهل سيستثنيك بتأمين صحي حكومي خاص لك ولأفراد أسرتك؟ وهل سيحصل لك على موافقة اللجنة الطبية لعلاج والدتك في الخارج؟ وهل سيحصل لابنك على استثناء من شروط القبول لبعثات التعليم؟ وهل سُيعجل من إجراءات توظيف ابنتك المهندسة والتي ما زالت قيد الإجراء منذ سبعة شهور؟ وهل.. وهل..؟ وأكملت حواري معه وبقية الطلبة بالقول: «كما أن الانتخابات وعضوية مجلس الشورى ليست تمثيلًا فرديًا ولا قبليًا، وليست وجاهة ولا شرفًا، فإنها ليست امتيازات خاصة للعضو وناخبيه من بني قبيلته/‏دائرته، وليست وعودًا وردية وشعارات رنانة منمقة تخاطب عواطفنا الجياشة وفزعتنا القبلية على حساب الوطن، ومن يظن ذلك فهو مخطئ».
وهنا الفرق بين انتخابات المشاركة الشعبية الفكرية التي تعتبر ثقافة ومهارة مجتمعية وانتخابية في نفس الوقت – كما هي في ديمقراطية الغرب- وانتخابات المشاركة الشعبية بحق المواطنة والتي قد تعتبر مجرد ممارسة تغلب عليها العاطفة وربما أصوات مُوجهة لفوز بعض أفراد القبيلة/‏الدائرة، فالأولى حيادية ونزيهة وتعتمد معياري الأصلح والأكفأ وتسعى للمصلحة العامة للوطن إجمالًا، والثانية يغلب عليها ممارسات وثقافة الفزعة والعاطفة القبلية بعيدًا عن معياري الأصلح والأكفأ، بل قد يكون المعيار الوحيد هو صلة القرابة وضمان المحافظة على تمثيل القبيلة في المجلس!
لهذا، فإننا بحاجة إلى مراجعة ثقافة وممارسات التصويت لضمان وصول من يُمثلنا جميعًا ويُمثل وطننا، إننا بحاجة إلى إعادة النظر في الاختيار الصحيح للمرشح حسب كفاءته وعلمه، وما تركه من أثر طيب وأعمال وسيرة حسنة، وبصمة ما زالت تتحدث عنهم في خدمة مؤسساتهم ومجتمعاتهم ومن أثبت قدرته على الإصلاح والتطوير. إن أردنا بلوغ المشاركة الشعبية الفعلية والجذرية في الإصلاح والتطوير التشريعي والمجتمعي والمؤسسي- فعلينا كناخبين أولًا إدراك قيمة وقوة أصواتنا الانتخابية وثانيًا وضعها في المكان الصحيح ومنحها للمرشح الأكفأ والأصلح بعيدًا عن المجاملات المجتمعية للقبيلة والدائرة وأصحاب المال والجاه والسُلطة. أصواتنا مسؤولية وطنية وأمانة كالشهادة، أما أن تكون شهادة حق لنفع البلاد والعباد أو شهادة زور لضرِ البلاد والعباد، فأي مشروع تشريعي أو مقترحات للمناقشة، أو حتى استدعاء لأي مسؤول لن يكون لصالح فرد ما أو قبلية ما، بل لصالح الوطن والمواطن. كما يجب على كل مرشح أن يستوعب ويعي تمامًا أن عضويته تكليف وواجب ومسؤولية وطنية، تتطلب الجد والإخلاص والفهم التشريعي والمشاركة الفعلية لدوره المأمول في خدمة الوطن والمواطن.
ولنتذكر أخيرًا إن أردنا فعلًا الممارسة والمشاركة الشعبية الصحية والسليمة، فلنضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، ولنوقن تمامًا أن أصواتنا أمانة وأن أدوارنا كناخبين لا تنتهي بالإدلاء بأصواتنا ولا بعد الفرز، بل يحق لنا ممارسة دور الرقيب على أداء المرشح الذي حصل على أصواتنا ومشاركته الحقيقية في المجلس المرتقب.
ختامًا، لا نعلم كيف ستنتهي التجربة ولا مخرجاتها، ولكننا نسأل الله العلي القدير أن يجعل لنا في هذه التجربة كل الخير لوطننا وأن يُولي علينا خيارنا وأن يُسخرهم لخدمة الوطن، فقطر تستحق الأصلح والأكفأ من أبنائها.

أكاديمية- عضو سابق في مجلس الشورى

Twitter @halmuftah

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X