fbpx
كتاب الراية

خواطر قانونية.. التحكيم وسيلة قانونيّة لفضّ النزاعات يجب ترشيد اللجوء إليها

مفهوم أن التحكيم مجال مقتصر على نزاعات ذات قيمة مالية عالية .. فكرة خاطئة

مع التطوّر الذي أصبح يعيشه المجتمع القطري في مختلف المجالات، ومع تزايد وتيرة المعاملات الإلكترونيّة وتشعّب العلاقات بين الأشخاص، لم يعد بمقدور القضاء بمفهومه التقليدي أن يستجيب لكل هذه المتغيرات وأن يجد حلولًا ملائمة لطبيعة المنازعات التي تَنشأ بمناسبتها، لذلك لم يجد المُشرّع القطري بدًا من مسايرة التشريعات المقارنة عن طريق سنّ قانون يتيح للأفراد والشركات -وغيرهما- أن يلجؤوا باختيارهم إلى جهة أخرى غير المؤسسة القضائية للاحتكام إليها في فض المنازعات الناشئة بينهم، والتي يجيز فيها الاتفاق على ذلك.

والمقصود هنا بالأساس القانون رقْم 2 لسنة 2017 المتعلق بالتحكيم في المواد المدنية والتجارية الذي ألغى المواد من 190 إلى 210 من قانون المرافعات المدنية والتجارية، التي كان معمولًا بها من قبل، وجاء هذا القانون مُستقلًّا مكونًا من 38 مادة قنن من خلالها المشرّع إمكانية اللجوء إلى التحكيم بدلًا من اللجوء للقضاء، وعرف التحكيم في مادته الأولى بأنه: «أسلوب اتفاقي قانوني لحل النزاع بدلًا من اللجوء للقضاء سواءً كانت الجهة التي ستتولى إجراءات التحكيم، بمقتضى اتفاق الأطراف، مركزًا دائمًا للتحكيم أم لم تكن كذلك»، والمقصود بذلك أن التحكيم طريق اختياري يختاره الأشخاص مسبقًا لتسوية النزاعات التي قد تقوم بينهم بدلًا من رفع دعاوى قضائيّة أمام المحاكم، وقد حدّد القانون نطاق تخويلهم هذا الحق، مع الكيفية والإجراءات اللازمة لذلك وبيّن القوة الملزمة للحكم التحكيمي وطرق الطعن فيه والرقابة القضائية على العملية التحكيمية برمتها.

فالتحكيم غالبًا ما يلجأ إليه الأشخاص بهدف حل نزاعاتهم في وقت أسرع وإجراءات أكثر مرونة من الإجراءات القضائية، وثقة منهم في أن المحكم أو الهيئة التحكيمية أدرى بطبيعة المنازعة وأكثر احتكاكًا بمجالها من القاضي العادي الذي يكون تكوينه قانونيًا صرفًا، ولا يكون مختصًا في المسائل الفنية وبعض الأمور الدقيقة، التي إذا عرضت أمام المحاكم تم انتداب خبير فيها من أجل تقديم تقرير فني، وهو ما لا يرتضيه المتقاضون في الغالب، فيجد البعض أنه -كسبًا للوقت وتفاديًا لإطالة أمد النزاع- يفضل إسناد النزاع من بدايته إلى خبير من اختيارهم يبتّ في مسألتهم وَفق الإجراءات والشروط المنصوص عليها في القانون المذكور.

ونُشير إلى أنه قد انتشر مؤخرًا مفهوم مفاده أن التحكيم مجال مقتصر على نزاعات ذات قيمة مالية عالية، أو تلك التي تنشب بين الشركات الكُبرى أو المؤسسات العالمية، وهي فكرة خاطئة تضرب في صميم مقاصد المشرّع، لأن الغاية الأساسية من تقنين التحكيم هي التخفيف عن القضاء العادي عبء المنازعات التي يجوز فيها التحكيم وليس تصنيف المتقاضين إلى فئة مخملية وفئة أقلّ منها، لذلك نرى أنه من الأجدر أن يلجأ أصحاب النزاعات العادية ذات القيمة المالية البسيطة إلى التحكيم بدلًا من القضاء العادي حفاظًا على مصالحهم الشخصية وتجنّبًا لتطوّر النزاع في حال تمّ ولوج أبواب المحاكم، وأيضًا حفاظًا على وقت القضاء الثمين، الأولى بالتسخير في نظر النزاعات التي لا يمكن حلّها إلا بواسطة حكم قضائي.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X