fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. ليس دفاعًا عن أمريكا

الذين يعتبرون أمريكا الشيطان الأكبر أكثر الناس استفادة منها

لا بدّ أن أسجّل هنا أن ما تتضمنه هذه الكلمات ليس دفاعًا عن أمريكا، فتاريخها في اضطهاد الشعوب معروفٌ، وهي التي قامت على أنقاض إبادة السكان الأصليين وهم الهنود الحمر، وهي التي ألقت القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي عام 1945، لتُرغم اليابان على الاستسلام في الحرب الكونية الثانية، بعد أن مات مئات الآلاف من اليابانيين، وحربها في فيتنام وأفغانستان، وأساطيلها الحربية التي تجوب بحار العالم، لتهدد أمن وسلامة الدول الأخرى في أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، بحجة حماية مصالحها في هذه المناطق، فالسياسة الخارجية لأمريكا لم تترك لها صديقًا بين دول العالم، والصداقة في عالم السياسة تقوم على المصالح وليس على العواطف، والشعوب لا تلام دومًا نتيجة لسياسات حكوماتها في الشؤون الخارجية، وقد شهدت المدن الأمريكية الكثير من المظاهرات الاحتجاجية استنكارًا لمواقف ارتكبتها حكومات أمريكية عديدة في الخارج، كما أن الحكومات تتغير، وتتغير معها الكثير من ملامح سياستها الخارجية، وربما الداخلية، التي غالبًا ما تكون ترجمة للدستور الذي لا يمكنها التملص من بنوده، كما هو شأنها في الشؤون الخارجية.

ومع كل هذه الملاحظات العامة ما زالت بعض الفئات تصر على شيطنة الولايات المتحدة حكومة وشعبًا، وذلك يذكرنا بقصة ذلك البدوي الذي يشرب من «القليب ثم يدفنه» فما استفاد من دفنه شيئًا، ولا ترك لغيره فرصة الاستفادة منه، فالذين ينظرون إلى أمريكا على أنها الشيطان الأكبر، ما زالت نظرتهم ينتابها الخلل بفعل ردود الفعل العاطفية التي تشوّه المرئي في نظر الرائي، فأمريكا ليست حكومة هذا الرئيس أو ذاك، أو هذا الحزب أو غيره، بل هي شعب متقدم صناعيًا واقتصاديًا وتجاريًا وعسكريًا، شعب ساهم بنصيب وافر في ازدهار الحضارة الإنسانية، وتفوقها العلمي الذي قفز بالحياة البشرية إلى الأمام بخطوات مذهلة، لا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال، ومن يتعرف على المجتمع الأمريكي، يُدرك أن الجميع سواسية أمام النظام الذي يحقق للإنسان حريته وكرامته وأمنه، ويتيح له حرية التطوير الذاتي وتحسين أوضاعه الحياتية بناءً على قدراته الذاتية، وَفق دستور يحترمه الجميع، ويخضع مخالفوه للمساءلة مهما كان موقعهم في سلم السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية.

والمفارقة العجيبة أن الذين يعتبرون أمريكا هي الشيطان الأكبر، هم أكثر الناس استفادة منها، فهم يملكون سياراتها الفارهة، ويُودعون ملايينهم في بنوكها، ويبتعثون أولادهم للدراسة في جامعاتها، ويفتخرون أنهم من خريجي تلك الجامعات، ثم يصفونها بالشيطان الأكبر، ويسخرون إعلامهم لمهاجمتها ليل نهار، بدافع انتماءاتهم الأيديولوجية التي تدفعهم لممارسة الإقصاء المرفوض، والتنمر المذموم، والفوقية المقيتة، ومنهم خطيب يستغل منبره لشتم أمريكا، ويدعو عليها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، ثم يعود إلى منزله بسيارته الأمريكية الصنع، متنعمًا بما توفره له من رفاهية ومتعة، وآخر لا يقل عن سابقه حماسة في عدائه لأمريكا، يستغل وسائل التواصل الاجتماعي ليكيل الشتائم لأمريكا بأجهزة أمريكية الابتكار والتطوير، ومثلهما ذلك الإعلامي الموجه بالريموت كنترول، ليشتم أمريكا بواسطة تقنيات أمريكية لم يكن يحلم بها، وكأن شيطنة أمريكا قد أصبحت سباقًا تحرص عليه المُتردية والنَّطيحة وما أكل السَّبُع.

وفي النهاية تظل المصالح هي الحكم في مثل هذه الأمور، حيث لا عداء دائمًا ولا صداقة دائمة في السياسة، إنما هي المصالح التي تعني الترفع عن الأساليب المعوجّة في التعامل مع الآخرين، والبشر في النهاية لا هم ملائكة ولا هم شياطين، واعتساف التصنيف بدوافع عدوانية يذكرنا بالمثل القائل: (من يزرع الحصرم لا يجني العنب).

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X