fbpx
المنتدى

«الولي» يكتب عن «الولي»!

محمود العربي أقام تجربة اقتصادية وإنسانية قائمة على قيم الإسلام

بقلم/ سليم عزوز:

ولماذا لا نكتب عن «ممدوح الولي»؟!

فقد جرى العرف على أنّ الكتابة عن المناقب والفضائل لا تكون سوى عن الأموات، فلا نكتب عن رجل الأعمال العصامي الحاج محمود العربي، إلا بعد وفاته، فلا يعرفه الرأي العام من قريب سوى الآن، فيدرك الناس بعد وفاته أنه كان يعيش في زمانهم وليٌّ من أولياء الله الصالحين -بحسب الظاهر من أعماله الصالحات- أقام تجربة اقتصادية وإنسانية فريدة، قائمة على قيم الإسلام بدون دعاية أو تكلف، وأقرب من روحانيات المتصوفة، بقدر بعدها عن استغلال الدين وتوظيفه في حملة الترويج للمنتج، ومن هذه التجربة يمكن الوصول إلى معنى «البركة»!

ولم نكن نعرف عن «العربي» سوى عناوين سريعة وخاطفة، وكنّا بحاجة إلى المتون، فكان المتن الذي أحاط بتجربته علمًا، في عبارات سريعة، يتسع لها مقال محدود الكلمات، ل«ممدوح الولي» في موقع «الجزيرة مباشر»، فكان أهم ما كتب، وكنا أمام «وليّ» يكتب عن «وليّ»، وصحفي يكتب عن مصدر، وميزة «الوليّ الحيّ»، أنه ليس فقط خبيرًا اقتصاديًا، ولكنه بالإضافة إلى هذا صحفي، بدأ مبكرًا محررًا اقتصاديًّا بجريدة «الأهرام»، وإذا كان يتّسم الخبير بالدقة، فإن الصحفي يهتم بالأشخاص الذين يعملون في دائرة تغطيته المهنية، من هنا كانت الرؤية المتكاملة التي قدّمها ممدوح الولي، عن تجربة محمود العربي، ومن أفضل من يكتب عن «الوليّ» أكثر من «وليّ» مثله؟!

وليس «الوليّ» مجرد لقب للكاتب، لأنه يتسم بالفعل بصفات الأولياء، وإذ بدأ مشواره النقابي عضوًا لمجلس نقابة الصحفيين، قبل أن ينتخب نقيبًا لهم، فإن الذين عرفوه خلال هذه التجربة يعرفون أن خدماته كان يقدمها للجميع، ولم يستبعد منها حتى أولئك الذين ينتمون لأفكار وتيارات قد تختلف معه، ولهذا كان طبيعيًا أن يحصل على أعلى الأصوات، وإن كان هذا دافعًا لعداء قلة من الناصريين له خلال هذه الفترة، ليس لأسباب موضوعية، ولكنْ حسدًا من عند أنفسهم!

وأول علاقة لي بهذا الجانب الإيماني في شخصية «ممدوح الولي»، عندما نقل لي أن سيدة طلبت رقم هاتفي منه، لكي تتواصل معي، وبذكره لاسمها مسبوقًا بلقب «الحاجة»، اعتقدت للوهلة الأولى أنها بالشهرة بمكان وأن عدم معرفتي لها هو تقصير من جانبي، فلم أسأله عن التفاصيل، وبالفعل فقد علمت أنها معروفة لكثير من الصحفيين الشبان الذين يعملون معها في عملها الخيّر لوجه لله وبدون مقابل!

واتصلت بي هذه السيدة، أكثر من مرة (ثلاث أو أربع مرات)، وكان الاتصال يطول لأكثر من ساعة في كل مرة، بدون ملل مني، وبدت لي أن صوتها لحن سماوي يلقي في النفس طمأنينة وأمنًا، بكلام بسيط، لا يتجاوز الحديث عن ظروفها ومشروعها وإدارتها له من سرير المرض، الذي استمر لسنوات، وهي السيدة الثرية، التي أصيبت بمشكلة في العمود الفقري أو النخاع الشوكي، وفشلت كل محاولات العلاج، فاعتبرت مرضها عبادة، وقررت إيقاف ثروتها على أعمال الخير، تكفل اليتيم، وتعطي المحتاج، وتعين على نوائب الدهر!

ومن سرير المرض كانت تفحص الطلبات، وتكلف من يقوم ب «البحث الاجتماعي» للتأكيد من صحة المعلومات الواردة إليها، وكان من يقومون بهذه المهمة صحفيين شبانًا، رشحهم ممدوح الولي للقيام بهذه الاستقصاءات دون أجر، وكأنهم كانوا في مهمة تعبدية، وعرفت بعد وفاتها بتفاصيل أكثر عن أعمال الخير ممن تعاملوا معها عن قرب، وإن لم تذكرها لي، بواسطة من ممدوح الولي.

رغم أن المكالمة الواحدة كانت تتجاوز الساعة، إلا أن هذه السيدة لم تناقشني أبدًا في مقال كتبته، رغم أن ممدوح الولي أخبرني أنها تقرأ لي، والحقيقة لم أرَ في هذه المقالات ما يعجب إنسانة مثلها، وهي عبارة عن اشتباك يومي، مع السلطة ومع التيارات الإسلامية، بل ومع الحالة السياسية بتفاصيلها.

وحكى لي زميلنا محمد أبو لواية المتمرّد على كل شيء معلومات أكثر عن هذه السيدة وأعمالها، وعن ممدوح الولي والمساعدات التي يقدمها، وهذا الجانب غير المرئي في شخصيته و«أبو لواية» من «مغاغة» بمُحافظة المنيا، لم يتخلَّ عن لهجته رغم كل هذه السنوات الطويلة التي قضاها في القاهرة، وقد عُرف بالبيانات التي يصدرها ضد نقيب الصحفيين، سواء مكرم محمد أحمد، أو إبراهيم نافع، وجميع أعضاء المجلس، لدورات عدة، لكنه كان يستثني ممدوح الولي من هذا الهجوم الكاسح الذي دفع ثمنه السجن، في بلاغ تقدّم به نافع ضده!

قال لي أبو لواية: «ممدوح ده ولي يا بن عمي»، فلما تطرق حديث الجالسين معنا إلى عضو بالمجلس «فهلوي» ويلعب بالبيضة والحجر، وهو صديق «الولي» ومتهم بأنه من يتبناه، سألني «أبو لواية»: بما تفسر هذا يا بن عمي؟! فتبسمت ضاحكًا، وأنا أقول له: حتى يؤكد بشريته، فأولياء الله الصالحون بشر، وليسوا ملائكة!

ولم يكن لاقتصادي أن يتفهم تجربة الحاج محمود العربي، إلا إذا كان «ممدوح الولي»، وفي هذه التجربة تبدو أنها تجاوزت كل التجارب، لتكون نموذجًا فريدًا من نوعها!

فكيف يمكن لعقلية لا تعرف إلا لغة الأرقام أن تتفهم مفهوم «البركة»، وأن علاج الركود يكون بمزيدٍ من تعيين العاملين، كما فعل محمود العربي؟ وكيف لها أن تتفهّم أنه في كل الأزمات التي عصفت بالعالم، ومن الأزمة الاقتصادية العالمية، إلى جائحة كورونا، تكون المواجهة بالحفاظ على حقوق العمال كاملة كما فعل؟ وكيف يتقبل فلسفة الحاج محمود العربي القائمة على أن هذه الأموال «ليست فلوسنا لكنها فلوس ربنا، فإذا لم نعمل شيئًا سيأخذها لغيرنا» إلا «ولي»؟، وكيف يمكن قبول معادلة الرزق مع تقديم وجبة ساخنة لكل العمال، ورفض ما فعله مسؤول بتخفيض الوجبة توفيرًا للنفقات؟

إنه سلوك «ولي» لا يفهمه إلا «ولي» حتى وإن كانت الأرقام هي لغته!

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X