fbpx
المنتدى

الخرزة الزرقاء!

عادات الأتراك تتبع تعاليم الإسلام لكنهم يتمسكون بالقيم التقليدية

بقلم/ سامي كمال الدين:

ربما لا تدركُ بعض الشعوب أن الكتابة أو الصورة التي تقدم عن بلد ما في الغرب أو الشرق يظلّ تأثيرها لقرون، كتاب «رسائل السفارة» مثلًا لزوجة السفير البريطاني في تركيا في القرن التاسع عشر ماري مونتاجيو بعضه ألهم حركة الاستشراق في أوروبا في أواخر القرن ال 19، بل إن اللوحة العالمية الشهيرة «الحمّام التركي» مستلهمة من هذا الكتاب.

أيضًا الصورة السيئة عن الأتراك التي نقلها فيلم «ميدنايت إكسبريس»، لهذا نهتم بكتاب «شاي تركي من فضلك» لكاثرين براننج الذي يرد على هذا الكتاب عبر رسائل أدبية تصف الحياة الاجتماعية في تركيا، ومنها حب الترك للموسيقى.

إنهم يعشقون الحياة.. الموسيقى تصدح في كل شارع وزقاق وبيت.. في الحافلات والمتنزهات والشركات والمطاعم.. يضع البنات والأولاد السماعات في آذانهم في المواصلات العامة وفي اليد كتاب -كما أغلبهم- فهم يحبون القراءة أيضًا بشكل كبير.

« يتذوق الأتراك كل أنواع الموسيقى، من الأغنيات الشعبية إلى المقطوعات العثمانية الكلاسيكية وموسيقى البوب المعاصرة، وبالرغم مما يقال فإن عددًا كبيرًا من الأشخاص يقرون باستمتاعهم الآثم بموسيقى الأرابيسك وعواطفها المبالغ فيها، وبالطبع فإن النجوم في تركيا يلقون معاملة خاصة، وخاصة الموسيقيين والمغنين، يكادون يعاملون بتقديس».

الشعر أيضًا يحظى بمكانة كبيرة لدى الأتراك، وكثير منهم يحفظ قصائد لشاعرهم يونس أمرة أو جلال الدين الرومي، ويحفظون كلمات أغانيهما المفضلة، وكان سلاطين بني عثمان ينظمون الشعر.

اللافت للنظر لدى الأتراك وقد ذكرته كاثرين براننج في كتابها «شاي تركي من فضلك» ولفت نظري أيضًا «الخرزة الزرقاء».. أمام كل بيت وفي كل سيارة وأمام واجهات المحلات تجد «خرزة زرقاء».. في البداية اندهشت من الأمر، في مصر لدينا موضوع الخرزة له علاقة بالحسد.. بعض الأتراك يرونها كذلك، وبعضهم يراها أداة للزينة.

صحيح أن الكثير من عادات الأتراك تتبع مبادئ وتعاليم الإسلام، لكنهم يتمسكون بالعديد من القيم التقليدية التي ورثوها عن أجدادهم مثل الخرزة الزرقاء والنذور وحفلات الطهور للأولاد والزي التركي التقليدي الذي يرتدونه فيها. ذكرتني جملة -كتبتها كاثرين براننج في كتابها عن الأتراك- بنا في مصر إذ تقول: «لن يقر تركي مطلقًا أنه لا يعرف إجابة سؤال وجه إليه، أو أنه لا يعرف ما يفعله».. نفس ما يقوم به سائق التاكسي في مصر أو الشخص العادي حين تسأله عن عنوان شارع، إما أن يقول لك: «هما قالوا لك فين» يا أخي لو كنت أعرف أين لما سألتك بالأساس!

أو يبدأ في التفكير ثم يصف لك، وطبعًا لا يقصد المصري الكذب عليك بل هي عادة مصرية تدل على الكرم وحب مساعدة الآخرين والشهامة المصرية، لكنها قد تضيّعك في الشوارع!

تقول كاثرين في كتابها «تركيا بين الماضي والحاضر» الصادر عن دار النيل في القاهرة عبر ترجمة بديعة قامت بها أسماء عادل: «لعل أشهر مقولة لأتاتورك مكتوبة على لوحات الإعلانات، ومنقوشة على قواعد تماثيله المنتشرة في ميدان كل قرية، ومطبوعة على أبواب مجلس المدينة، ومكتوبة في أروقة أغلب المباني العامة، ومرسومة على جوانب الجبال، هي العبارة الخالدة «سعيد من قال: أنا تركي» إذا كانت الشخصية التركية تتمتع بكل السمات الشخصية التي تمكنت من ملاحظتها، فإن أتاتورك معه كل الحق في التوعية بهذا المورد الوطني الطبيعي الغني، لا تعكس هذه العبارة فخرًا زائفًا، بل حان الوقت أن يعلن كل تركي هذه الحقيقة بأعلى صوته ليسمعها العالم كله». تجولت كاثرين في سوق الصحفيين الذي يبيع الكتب المستعملة.. وقد زرت كثيرًا من هذه المكتبات التي تشبه سور الأزبكية لدينا في مصر، هناك مبنى كامل في زقاق متفرع من شارع الاستقلال، وكذلك مكتبات عتقية في منطقة «أورتاكوي».

تسمى المكتبة في تركيا كتب خانة Kütüphane وترجمتها «بيت الكتب» اطلعت كاثرين في مكتبة أماسيا على نسخة نادرة من القرآن الكريم ترجع إلى القرن الخامس عشر، وهي أقدم نسخة في تركيا، نقشها الخطاط التركي شيخ حمد الله، أنا أيضًا اطلعت على نسخة نادرة باللغة التركية، من كتاب سيد قطب الظلال في مكتبة البلدية في «بيوك يوك شكمجة». هناك مقولة لدى الأتراك kitaba saygi, insana saygıdır

وتعني احترام الكتب من احترام البشر».

حصلت كاثرين على نسخة من جداول تصنيف ديوي مترجمة إلى اللغة التركية أهداها لها رئيس أمناء مكتبة شمسي باشا العامة في أسكودار التي تضم خمسة وعشرين ألف مجلد، كما زارت مكتبة في «أورجوب» بها ثلاثون ألف مجلد، ولها أحد عشر فرعًا لخدمة القرى المجاورة، وزارت مكتبة البغدادي في نجيب باشا التي أنشئت عام 1397 في تيرة، ومكتبة رشيد أفندي في قيصري بجوار المسجد الكبير، والمكتبة العامة في أكسراي وبها حوالي 30 ألف مجلد، ومكتبة إيناجول في مجمع إسحاق باشا التي أنشئت عام 1482، ومكتبة جسر إسطنبول ومكتبة جامعة بيازيد، وبها مخطوطة نادرة لمولانا جلال الدين الرومي ترجع إلى عام 1690م خلاف المخطوطات الموجودة في المكتبة السليمانية في إسطنبول والتي بها أكبر مجموعة مخطوطات في العالم.

ذات مرة كنت في سوق «الأنتيك» في «بومنتي» حيث يباع كل قديم، حصلت على نسخة نادرة من كتاب «تفسير الجلالين» للإمام جلال الدين السيوطي، وما زلت أحتفظ بها حتى الآن بورقها الأصفر الباهت.

إعلامي مصري

samykamaleldeen@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X