fbpx
المنتدى

السودان على سطح صفيح ساخن

توحّد قوى الثورة هو الضمان لنجاح الانتقال الديموقراطي

بقلم/ بابكر عيسى أحمد:

أبدًا ما هنت يا سوداننا يومًا علينا.. رغم وجع المسافة وضريبة الغربة تظلّ عيونُنا معلقةً بأهداب الوطنِ ونظلُّ نرحل إليه في الصباح والمساء، ونسأل كثيرًا ونتساءل عن الأهل وأحوال البلد وأهوال ما نسمعه ونقرؤُه ونحن على البعد نرصد نبض الشوارع التي لا تخون ونطمئنّ على الثورة ونتابع خُطى الرجال والنساء القابضين على جمر القضية، الذين يُعانون، ولكنهم يهتفون ملء أفواههم وبكل ما في صدورهم من هواء «الجوع.. الجوع ولا الكيزان».

ظللتُ أتابعُ ما يتدفق وما يرشح من أخبار الوطن عبر مختلف الوسائط واستوقفتني المسرحية الساذجة والمضحكة والهزيلة التي قادها الناظر (ترك) الذي يعرف بأنه ناظر عموم البجا في شرق السودان الذي خرج عن النص المتعارف عليه، والذي يحصر مطالب العمد والمشايخ والإدارات الأهلية في الحديث عن المطالب الإقليمية في التنمية وتوزيع السلطة والثروة، ولكن الرجل الذي تردّد أنه هرب إلى إريتريا بعد فشل المحاولة الانقلابيّة صبيحة الثلاثاء 21/‏9/‏2021 خرجَ عن النصّ ورفض الحوار مع المكون المدني في الحكومة الانتقالية وطالب رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان بإعلان حالة الطوارئ، وتشكيل مجلس عسكري مكوّن من ستّ شخصيات عسكرية، هم أعضاء اللجنة الأمنية في مجلس السيادة، وتشكيل حكومة تكنوقراط وحلّ لجنة إزالة التمكين التي تحقق في فساد الإنقاذ.

وللذين لا يعرفون الناظر (ترك) فهو أحد رموز النظام البائد في شرق السودان، وأحد مرشحي المؤتمر الوطني المحلول (البرلمان)، وطيلة ثلاثين عامًا قضاها لصيقًا بالنظام البائد لم يفتح الله عليه بكلمة واحدة أو تحرك معلن لإنصاف أهلنا في شرق السودان الذين نحترمهم، ونجلهم ولهم قضايا تستحق الإنصاف من الحكومة الانتقالية، وتناسى الناظر (ترك) الغارق حتى أذنيه في فضيحة (صندوق الشرق) أنَّ كل السودان يعاني يا نظّار الشعب.

المثير للدهشة والأسى هو فضيحة (صندوق الشرق) الذي كان من المقرر أن تثيره لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال الذي خُصص له مبلغ 2 مليار دولار، يعلم الله وحده، أين ذهبت، حيث لم يُخصَّص دولارٌ واحد للمشروعات التي مُنح الصندوق تلك الأموال من أجلها، حتى تضاعفت معاناة أهلنا في شرق السودان من الجوع والأمراض والمسغبة.

(الصندوق الأسود) لإعمار الشرق كان يُديره الهارب موسى محمد أحمد، ومحمد طاهر إيلا، والناظر ترك، وشيبه ضرار، ومهندس الاتفاق الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية الأسبق في النظام البائد، وكانت 10% من الأموال تذهب لحساب رئيس دولة مجاورة مقابل هندسة الاتفاق، ومن هنا عرف الثوار لماذا يهاجم (ترك) لجنة إزالة التمكين، ويطالب بحلّها ويعلم أنَّ اللجنة تمتلك الوثائق وفيديو مفصلًا لكل الفساد له ولجماعته المشار إليهم بعاليه.

ومن المثير للدهشة والأسى أيضًا أن الإخوة المتأسلمين لا يقرؤون التاريخ ولا يستوعبون حتى ما جاء به القرآن الكريم من أن «لكل أجل كتاب»، فكانت قفزتهم البهلوانية في الفضاء الطلق، حيث توهموا أنهم بعد ثلاثين عامًا من الحكم العضوض الذي جرّع الناس الذل والمهانة ونهب ثروات البلد وحوّلها إلى أرصدة خارجية في البنوك والمصارف الأجنبية، أن بإمكانهم إحداث انقلاب عسكري يعيدهم إلى سدة السلطة، وحسنًا فعلوا لأن هذا الحدث أيقظ الذاكرة الجماعية للأمة على اختلاف مشاربها، وشدّد على ضرورة تطهير الخدمة المدنية والحياة العامة من هذه العناصر الفاسدة والمفسدة وإعادة هيكلة القوات النظامية، وهو ما تسبب بجرح غائر لأعضاء اللجنة الأمنية في المجلس السيادي من العسكريين، وأصبح الشارع أكثر يقظة وتفتحت عيونُه إلى ما يخطط له نظام الفلول.

لا أعتقد أن هذه المحاولة ستكون الأخيرة، وربما كانت بروفة سيئة ليست مكتملة الأركان وسيحاولون من جديد، ولأن ثورة ديسمبر المجيدة التي مهرها الثوار بدمائهم هي (ثورة وعي) فإنَّ عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء وسيكون عشمهم في السلطة مثل (عشم إبليس في الجنة)، وشكرًا لهذا الغباء المؤسس الذي هندسه على عثمان ونافع علي نافع، وصلاح قوش وكبيرهم عمر البشير، وبقيه الجوقة بقيادة عوض الجاز، حتى وضعوا السودان على سطح صفيح ساخن.

نحن الآن أمام حقائق جديدة حتى نستكمل الطريق إلى الحكم المدني الديمقراطي، والمعول الذي نهدم به قلاع الظلم والطغيان هم شباب الثورة والكنداكات ولجان المقاومة الباسلة في كل أرجاء السودان باعتبارهم أساس قيام السلطة المدنية الديمقراطيّة، حيث لا مجالَ في سودان الثورة لغير تطلّعات الشعب السوداني، ولا مجال للتراجع عن الغايات التي خرج من أجلها الشهداء والثوار.

سواعد شباب المقاومة من الجنسَين التي هدمت قلاع الاستبداد هي الأقدر على مقاومة الردة وهي التي ستبني حلم الوطن الديمقراطي، فعيونهم هي التي تراقب وترصد، وتنظيمهم هو الذي يحمي وتكويناتهم وقدراتهم هي التي تحدث التغيير نحو الأحسن والأفضل.

ويضيف الدكتور عبدالله حمدوك: إنَّ عهدنا أن نمضي ببلادنا نحو الديمقراطية المستدامة عبر انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمي ديمقراطي للسلطة، وإن ذلك لن يتحقق إلا ببناء دولة المؤسسات على أساس الحرية والسلام والعدالة. ودعا لجان المقاومة في الأحياء للتمسك بالديمقراطية وبقبول الآخر والصبر على الاختلاف بالتعلم المستمر والاستفادة من الدروس.

نحن نعلم أن بلادنا مستهدفة من قوى إقليمية لا تريد بنا الخير، وتتربص بنا الدروب، وتحلم واهمة أن ترى السودان وقد تشظّى إلى دويلات متناحرة، ولكنّ الله- ثم إرادة الناس- سيرد كيدهم في نحرهم، ويحيا الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X