fbpx
كتاب الراية

خواطر.. هذيان.. على أريكة طبيب

كَبَتُّ صرختي حتّى لا تُحرجني استهانتهم بآلامي.. فالرجال لا يتألمون!

وأنا في الخامسة من عُمري وجدتني أصطادُ برِفقة أبي، لم يكن الصيدُ لنيل الطعام، إنّما لبناء رجولتي بطريقة متوارثة، دون أدنى محاولة للتغيير، هذا ما استنتجته من حديث الكبار لاحقًا.

كان يوقظني قبل الفجر لإعداد اللازم، ثم نلتقي في مسجد الحي، هُم يُصلّون، بينما أناجي الله لتخفيف العقوبة، ثم ننطلق إلى أماكن مظلمة لم أكن أحب أن أبدأ بها يومي، الأصح أنني لم أحبّها أبدًا.

أحمل صُرة زادٍ أعدّتها أمي وأختي التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، جائعٌ أنا.. أكتُمها بصمت مُسبق التحريض، سبق أن أنّبوني حين بُحت بآلام المفاصل وعويل أمعائي الخاوية، على الرجال تحمّل الصعاب ومشقة الطريق، ولن يسمحوا لي بالأكل إلا في الوقت الذي يرونه مناسبًا.

تعثرت بصخرة صغيرة ووقعت، تألمت بصمت من الأشواك التي انغرست في ذراعي وكتفي المجروحتَين، كَبَتُّ صرختي حتى لا تُحرجني استهانتهم بآلامي، فالرجال لا يتألمون! نحن أقوى وأشد من صخورٍ لا تملك القدرة على الحراك والعراك، نحن محور القوة وكل ما حولنا يجب أن يدور في أفُقنا الاستثنائي دون ابتعاد أو اقتراب، إلّا إن رغِبنا.

رأسي مُثقلٌ من سطوة الشمس، عيناي ستنفجران من الوهج، أنا موجوع، موجوع جدًا، لماذا يعذبني الكبار؟ هل الذكورة ذنب؟

محظوظة أختي.. هكذا كنت أظن!

في منتصف الليل، داهمتني سياط الحرارة، لم يعد الألم مقتصرًا على جرحي المُلتهِب، ورأسي المُختَرق، هناك من يتعمّد تعذيبي، يذيبني في قِدْرٍ أسود فوق لهيب الحطب، يُحركّني بعصا خشبية تتفقّد ما لم يذُبْ من عظامي بعد.. يا لها من مشعوذةٍ لا تأبه بارتباك أُمي المختبئة خلف ستار السلبيّة، تمامًا كيوم طهوري قبل عام، لطالما استنجدتُ بها، ولكنها اختفت!

حتى شفقة أختي ومحاولاتها اليائسة في شدّ والدتي من جهة ونكز والدنا من جهة.. لماذا لا يقاوم والدي سطوة تلك العجوز لمَ لا يرفض تطفّلها علينا، ألَسْنا واحدًا كما يقول!!

أختي كانت تحسدني على الخروج، بينما كنت أحسدها على بقائها في البيت، حتى أعياني المرض ورقدت لأكثر من أسبوع، فوجدتها مُجرّد سجينة تقوم بأعمال شاقّة، يحظر عليها مجالسة الضيوف لكنها مجبرة على الخدمة، والطهو، والتنظيف، ورعاية أخيها الرضيع، بشكل كان إجباريًّا حتى باء تلقائيًا، عندها أدركت أن العقوبات مُفرّقة خلف الأبواب المُغلقة، ولا حق لنا باختيار نوعها، بدأت أفهم.. متلازمة الذكر والأنثى!

وبعد أن تم التصنيع، تُطالبني أمي بالحنان، ويطالبني أبي بالرِفق، وأخي بالعطف، وأختي.. رفيقتي في بوتقة التجارب، تطالبني بالتعالي على الجراح، وتقول لي: ابتسم.

عندما اشتكت زوجتي، لم أفهم عن أي انسجام وأوجاع تتحدث، فقلبي ينبض أوجاعًا كأقدام اللوتس، وجسدي محتبس في أسطورة «مردوخ».

وأنتِ.. ممَّ تشتكين، لقد كانت أختي تؤدي أضعاف أعمالك، وأمي لا تنام إلا بعد زئير أبي، لماذا تُصّرين على صَهْري في قصائد الحب؟ متى ستكفّون عن قَوْلبتي!

ثمّة ساحرة زرقاء تخترق بيتنا، لا.. ليست مجرد صدفة كما يدّعون، ولا عاملة أتت لتبييض الأواني والجدران، إنها تحمل معولًا، تُرى هل ستحفر قبري؟

هذه المرة.. عليّ أن أقاوم، لا مجال لانصهار آخر، سأُدافع عن رجولتي بقدر عدائها لراحتي، سأغافل تلك الشمطاء وأرميها فيما حَفَرَت، الدفاع عن النفس ليس جريمة، أنا لن أُقتَل مرتين!

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X