fbpx
كتاب الراية

تجربة حياة ..هامش الفصل بين آفة التكبر وفضيلة الترفع

كيف تصبح الثوابت المجتمعية قانونًا يتحكم بقبول ورفض التكبر والترفع

الحمدلله الذي أنعم على الإنسان بخلق كامل الوظائف الحيوية وجمَّله في الشكل، بين الكائنات في أحسن صورة، فلا يحتاج كي يحيا إلى أي أداء من خارجه إلا ما قد تفرضه عليه أحوال وأوضاع العجز والمرض.
وإن كان الحال كذلك بيولوجيًا، فإنه على الصعيد الاجتماعي تبقى حيوية وجودنا -كجزءٍ من كلّ- بحاجة إلى البقاء في فلك الدائرة الاجتماعية سواء العائلية الضيقة أو المجتمعية الأوسع إذ إن طبيعتنا الاجتماعية ليس بمقدورها أن تكون مستقلة في وجودها أبدًا، وهو ما يفسر كيف أننا نميل بحكم الطبيعة هذه إلى رغبة التآلف مع الآخرين والسعي دومًا إلى الوجود في ظل المجموعة لا الفرد، بل ونعمل جاهدين لإثبات هذه الوجود وتمتينه من خلال إثبات الذات، تفعيل الدور والأداء بالشكل الذي يبقينا مقبولين في فلكنا الاجتماعي ككل، لما لذلك من تأثير كبير على الشعور براحة القبول من الآخرين وعلى تغذية حيوية الوجود برضا التقبّل. إن القوانين التي تحكم هذا الوجود المجتمعي وعقلية القبول الاجتماعي بفضائلها وآفاتها هي -بمعظمها- ليست مقننة ثابتة في صفحات الكتب، إنما تعارف عليها الكل في سياق عيشهم وتعاملاتهم حتى باتت في أساسياتها ثابتة وواضحة قلما تختلف عليها المجتمعات فليس هنالك مثلاُ من مجتمع قد تجده يعتبر الصدق آفة وهو فضيلة أو أن الخلق الحسن أذية وهو صفة حميدة وغيرها من المفاهيم الأخرى.
ومن بين هذه المفاهيم التي تندرج في إطار القبول والرفض الإنساني والاجتماعي هي آفة التكبر وفضيلة الترفع. إن التكبر في المضمون الخالص ذي المعنى ليس فيه ما يمكن وضعه في قالب التعريف به وإنما يمكن الاستدلال عليه بأقوال الاستعلاء، أفعال التعجرف، سلوكيات التسلط، التي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تستند إلى مبررات يمكن تقبلها فرديًا أو اجتماعيًا لأنها ببساطة تنافي طبيعتنا الاجتماعية، وتؤذي الكرامة الإنسانية وتقع منها وقوع الابتلاء من العافية وليس من أحد يرغب بأن يكون ضحية الابتلاء.
أما بالنسبة للمتكبر نفسه، فإنه في الغالب تجده متصالحًا مع تكبره لدرجة أنه أصبح متطبعًا به ومستعدًا لتبرير تصرفه على أساس ما يمتلكه من مال أو سلطة أو ما يحققه من إنجازات أو ما يتمتع به من تميّز وتفوّق وقد يصل معه التكبر إلى الحد الذي يظن فيه أنه من أكثر الناس صوابًا في كل ما يقوم به وأكثرهم قبولًا وتتبعًا من الآخرين، وهو ما يعتبر فعلًا مدعاة للشفقة بسبب هالة الغشاوة التي ألبسها المتكبر لبصيرته، واعتقاده الخطأ أنه بتكبره قد اكتسى ثوب الهيبة والوقار، وتميز به عن الغير بينما الصحيح أنه ابتعد بنفسه عن منطقة القبول الاجتماعي ووضعها عن جهل في دائرة الاستنكار والنفور.
وعلى الرغم مما ينطوي عليه التكبر وما تحمله هذه الآفة بجعبتها من مساوئ، يبقى بينها وبين الترفع هامش ضيق في الفهم والحكم لكنه واسع في المضمون. ففي الكثير من الأحيان، نتهم بالتكبر في موقف ما، بينما يكون كل ما قمنا به هو مجرد تقدير للموقف بحكمة وروية قادنا إلى الترفع عن السطحية في الفعل وعن العشوائية في ردة الفعل لا أكثر، ولكن البعض للأسف لديه ميل في تغليب الحكم على كل ما يخالف قياس رغباته وتطلعاته بشكل عبثي، بعيد عن الموضوعية لا لشيء وإنما فقط حبًا في الانتقاد والأذى.

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X