fbpx
المنبر الحر
في 4 أكتوبر عاش العالم موتًا رقميًا تعطلت فيه إمكانات التواصل

السبات الرقمي

بقلم/ د.يوسف رحايمي:

في كتاب وُسِمَ ب «أنا أُوسِيلفي إذنْ أنا موجود، تحولات الأنا في العصر الافتراضي» ألقت الكاتبة إلزا غودارت (Elsa Godart) بتساؤلٍ غريب لم تفطن إليه بصائر القرّاء الباحثة عن الحقيقة، مفاده: هل فكرتكم فيما ستكون عليه حياتكم إذا اختفى الإنترنت؟ (ص164). سؤالٌ يبدو في هيئته اللغوية الصرفة يبحث عن إجابة ولكنه في الحقيقة يتدثر بثوب التنبيه والتحذير، فالكاتبة بوصفها من مناخ علمي ينتمي إلى فضاء علم النفس، تطلق تحذيرًا ضمنيًا لما ستؤول إليه الأوضاع في ظل حكم الافتراضي وسيطرته على الواقع الفعلي. ليعيش العالم على وقع صدمة رقمية. فماذا نحن فاعلون؟

في الرابع من أكتوبر لسنة 2021 تسللت ساعات سبات رقمية إلى عالمنا، فبات الجميع وكأنه في حضرة موت رقمي تعطلت فيه جميع حواس الجسد الكوني. لحظات تلخصت في توقف أهم المواقع الإلكترونية في العالم من قبيل «فيسبوك» و «إنستغرام» و «الواتساب»، وهي المحرّكات الأصليّة للتواصل الكوني. لقد مثّل هذا التوقّف المفاجئ فاجعة حقيقية للإنسانية جمعاء، حيث شهدنا سباتًا رقميًا جماعيًا تعطّلت فيه كل إمكانات التواصل، وباتت العودة إلى الواقع ملاذًا للجميع، ولكنه واقع أصبح – وقد فُصل منه الجزء الافتراضي – بلا طعم ولا رائحة، كما تشير إلى ذلك إلزا غودار. لقد شكّل هذا الحدث – في اعتقادي – رجة نفسيّة بين ذات المستعمل وبين المواقع الافتراضية بوصفها المرآة الأولى له، ليعيش على إثرها في قلق مستمر كمن فقد جزءًا من نفسه وراح يرممه، إنه في لحظة ما يفقد رقمه السري وصوره وتاريخه الافتراضي بكامل تفاصيله، إنه يفقد صورته التي تشكلت عبر سنوات بفعل المراكمة.

بعد ساعات من هذا الصمت الافتراضي وعودة الأمور إلى نصابها، يهرول الجميع إلى مواقعهم الافتراضية، فتصل الرسائل المعلّقة تباعًا، وتنتشر أخبار من هنا وهناك، معلنة أنّ شركة فيسبوك تعلن عن خسائر تعطّله لساعات. ولكن وجه الغرابة كامن في أنه لا أحد فطن إلى هذا البعث الافتراضي الجديد، البعث الذي جعل مصائرنا بيد الآلة، البعث الذي كشف عوراتنا النفسيّة، وعرّى الهشاشة الكامنة فينا.

وبناءً على ذلك، فعلى الإنسان اليوم إعادة طرح سؤال حول «الخلود الرقمي» كما يحلو للبعض أن يسميه، أو أن يجد له بديلًا يخلّصه من هذا السجن الافتراضي الذي أضحى حقيقة مؤرقة لبني البشر. وفي نظري لا يتعلق الأمر بالأفراد وإنما هي ضرورة مجتمعية تتطلّب تدخّل جميع الأطراف، وأن ترسم الدول خريطة طريق لتحمي الأجيال من هذا الاضطراب التواصلي الذي يعمّ الكون، فبعد محنة الفيروسات لا بدّ لنا من تعلّم الدرس لصنع مُستقبل أفضل أكثر أمانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X