fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة.. المدير المعلّم

المدير المعلم يراعي كل أحوال فريقه ويشاركهم المهام العادية

في إحدى الشركات الصناعيّة الكبرى جاء وفد رفيع المستوى لزيارة مُدير الشركة، كانت الزيارة مُفاجئة دون موعد مُسبق، وعند وصولهم إلى مكتب مُدير تلك الشركة، قيل لهم إن المدير منشغل ببعض المهام الاعتياديّة في الورش والمعامل التابعة للشركة، وكان عليهم الانتظار حتى ينتهي.

عندما قابلهم سألوه: لماذا كل هذا الحرص على ممارسة مهام عاديّة وفنيّة يمكن أن يقوم بها أي موظف في الشركة نيابة عنك؟ أجابهم المدير: من السهولة أن تقعد في مكتب أنيق وتدير سماعات الهاتف وتصدر الأوامر، لكن الأصعب والأهم من ذلك أن تشارك فريقك متاعب العمل وتعيش معهم لحظات الإنجاز.

من يتتبّع مسيرة مُديري الشركات والمُنظمات العريقة سيجد أن نقطة التقاء واحدة تجمعهم، ألا وهي أنهم يتبنّون عقليّة المُدير المُعلم، الذي يتعامل مع فريقه باعتبارهم شركاء نجاح، ويشترك معهم في كل تفاصيل العمل، وفي كل المُنعطفات دائمًا يتصدّر دور المُلهم القدوة.

يرى خبراء الإدارة أن واحدة من أنجح الطرق للتأثير في الموظفين وتحسين أدائهم في العمل، تكمن في تبني كل مُدير عقلية القدوة؛ حتى يصبح نموذجًا يُحتذى به، ولذلك عندما يعتاد فريق العمل على حضور المُدير في الساعات الأخيرة من العمل فلا يتوقّع منهم أقصى درجة من الانضباط في الدوام، وقِس على هذا بقية الأمور.

يقول بيتر دراكر مؤلف كتاب تحديات الإدارة للقرن الحادي والعشرين: «الموظفون يحاكون ما تقع عليه عيونهم، فمثلما يحاكي الأطفال سلوكيات آبائهم وأفعالهم ومواقفهم، فإن الموظفين يتطلّعون إلى أفعال مُديريهم وقادتهم أيضًا».

بعض المُديرين بخلاء جدًا على موظفيهم، بخلاء في نقل الخبرة والتجربة، بخلاء في مُشاركتهم في صناعة القرارات، بخلاء في السؤال عن أحوالهم الخاصّة ومُشكلاتهم في العمل، لكن المُدير المُعلم هو من يراعي كل أحوال فريقه، ولا يتردّد في تزويدهم بكل ما عصرته الأيام والتجارب، فهو يعلم أن ذلك سيصبّ في تحسين الأداء وجودة الإنتاج.

يحكي الدكتور عبدالله المغلوث عن قصة صعود مُدير استثنائي كانت أولوياته تدريب زملائه وتعزيز كفاءتهم ورفع معنوياتهم، وكان ينفق نصف راتبه مكافآت لزملائه المُتميّزين، ويغضب أشدّ الغضب أن يرى زميلًا له مُتضايقًا. الجميل في الأمر أن ذلك المُدير كان ينهج الصعود إلى القمّة مع فريقه ويردّد دائمًا «لا أصعد وحدي، الجميع يصعد معي، فالسماء تتسع لنا كلنا».

كثير من المُديرين يتعاملون مع الإدارة بأسلوبها النمطي، أسلوب التكاليف والتعاميم الإداريّة، لكن القليل منهم من يملك مهارة المُدير المُربي. المهارة أن تكون قائدًا لفريقك، أن تكون قدوة لهم، أن تملك الرؤية لحشدهم نحو تحقيق أهداف مُنظمتك، أن تمتلك رغبة التحفيز وصناعة النجوم في فريقك، وأن تكون صديقًا لهم قبل أن تكون مسؤولًا عليهم.

لماذا يفشل الكثير من مُديري المنظمات في إقناع موظفيهم؟

الإجابة بسيطة، لأنهم لم يكسبوا احترامهم، لأنهم مارسوا الإدارة من الأبراج العاجية ولم يشعروا أعضاء الفريق بأنهم جزء واحد منهم، المُدير الذي يغيب عن فريقه يفقد احترامهم، ومن يلتحم بفريقه ويشاركهم المهام العادية يكسب ثقتهم وتقديرهم ويتحوّل إلى رمز مُلهم وقدوة عمليّة من الناحية الشخصيّة والمهنيّة.

تصبح مُديرًا مُعلمًا عندما تتقن فن التواصل مع فريقك، وتعرف كيف توصل رؤيتك إليهم بطريقة مُقنعة وجذّابة، وعندما تبدأ السير نحو التنفيذ ستجد كامل الفريق على أهبة الاستعداد خلفك، وتجد صوتًا داخليًا يهمس في الأجواء: لن نخذلك.

المُدير المُعلّم يمنح فريقه القوّة والخبرة وحريّة الاكتشاف والإبداع وارتكاب الأخطاء، ودائمًا لا يتأخر في إشراك فريقه بالمعلومات والأفكار وصناعة القرارات.

لفتة أخيرة: المُدير المُعلّم لا يقول لفريقه اعملوا، بل يقول: هيا بنا نعمل معًا.

 

استشاري تدريب وتنمية بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X