fbpx
اخر الاخبار

مؤتمر تغير المناخ: استراتيجية بريطانيا لمواجهة التغير المناخي .. التحديات والآمال

لندن – قنا

تضع بريطانيا آمالا عريضة على قمة العمل المناخي السادسة والعشرين /COP 26/، التي تستضيفها مدينة /غلاسكو/ الاسكتلندية على مدار أسبوعين، في خلق زخم على المستويين المحلي والعالمي حول قضية التغير المناخي التي باتت قضية العصر.

واستبقت الحكومة البريطانية القمة التي وصفت بـ “قمة الفرصة الأخيرة”، بالإعلان عن استراتيجية طموحة لمكافحة التغير المناخي أطلقت عليها /استراتيجية صافي الانبعاثات صفر/.

وتكمن هذه الاستراتيجية، التي تطمح من خلالها بريطانيا لأن تكون صاحبة الريادة في مجال العمل المناخي، في أربع كلمات لخصها السيد بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني، وهي: “الفحم والمال والسيارات والأشجار”.

وترتكز الاستراتيجية على ستة محاور في مجالات الطاقة والصناعة ووسائل النقل والزراعة والتخلص من غازات الاحتباس الحراري وتوفير حلول جديدة لتدفئة المباني، وتهدف من خلالها للوصول بصافي الانبعاثات إلى الصفر بحيث يتساوى ما تنتجه البلاد من غازات احتباس حراري مع ما تزيله من هذه الغازات.

ففي المحور الأول بمجال الطاقة ، تسعى بريطانيا لتوفير 5 جيجاوات من طاقة انتاج الهيدروجين بحلول 2030 وخفض الانبعاثات الناجمة عن النفط والغاز بنسبة النصف عن طريق توفير 140 مليون جنيه استرليني لتمويل مشروعات جديدة لاحتجاز الهيدروجين والكربون الصناعي، وإنشاء صندوق صافي الهيدروجين بقيمة 240 مليون جنيه العام المقبل، وتطوير استراتيجية الوقود منخفض الكربون بالتعاون مع قطاع النقل والمواصلات خلال عام 2022.

وتسعى الاستراتيجية الحكومية في محورها الثاني، وهو المجال الصناعي، لاحتجاز 6 أطنان من /ثاني أكسيد الكربون/ سنويا من خلال احتجاز الكربون الصناعي وتخزينه بحلول نهاية العقد الجاري، ورفع هذه الكمية إلى 9 ملايين طن في عام 2035، وذلك عن طريق إنشاء صندوق خاص قيمته مليار جنيه استرليني لتمويل البنية التحتية لاحتجاز الكربون وتخزينه واستخدامه. وتعهدت الحكومة بمنح 315 مليون جنيه لصندوق تحويل الطاقة الصناعية لدعم إجراءات رفع كفاءة استخدام الطاقة والتخلص من الكربون.

وتعول الحكومة البريطانية، في المحور الثالث لاستراتيجيتها المتعلق بالزراعة، على أن تتبنى الشريحة الأكبر من المزارعين ممارسات منخفضة الكربون بحلول عام 2035، من خلال زيادة التمويل المخصص للبحوث المتعلقة بسبل تحقيق صافي انبعاثات صفر في الزراعة، وزيادة معدلات التشجير ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث المقبلة، وتخصيص 124 مليون جنيه إضافية لاستعادة نحو 280 ألف هكتار من أراضي الخث بحلول منتصف القرن الحالي، فضلا عن التوسع في استخدام الأخشاب في البناء في انجلترا.

ويعد قطاع النقل والمواصلات، الذي يشكل المحور الرابع من محاور الاستراتيجية، من أكثر المحاور أهمية، ذلك لأن الحكومة اتخذت قرارا اعتبر جريئا بوقف بيع السيارات والمركبات الجديدة التي تعمل بالبنزين والديزل نهائيا بحلول عام 2030.

وسيدخل القرار حيز التنفيذ بالتزامن مع التوسع في استخدام السيارات الكهربائية ونقاط شحنها على الطرق السريعة وداخل المدن، وكهربة جميع خطوط السكك الحديدية بحلول عام 2050، والتخلص من القطارات التي تعمل بالديزل في عام 2040، واستثمار ملياري جنيه استرليني في الطرق المخصصة للدراجات، ونحو 3 مليارات جنيه في الحافلات عديمة الانبعاثات الحرارية، وتمويل مشروعات لحث الرحلات الجوية التجارية على استخدام وقود مستدام بحلول عام 2030.

ويركز المحور الخامس لاستراتيجية الحكومة البريطانية لمكافحة التغير المناخي على إزالة نحو 5 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا بحلول نهاية العقد الجاري، وذلك عن طريق استثمار 100 مليون جنيه إسترليني في ابتكار تكنولوجيا وحلول لإزالة غازات الاحتباس الحراري.

فيما يهدف المحور السادس للاستراتيجية إلى تدفئة المباني باستخدام تقنيات جديدة بديلة عن تركيب الغلايات التي تعمل بالغاز بحلول عام 2035، وذلك عن طريق إعطاء منح لأصحاب المباني السكنية والتجارية لاستبدالها بمضخات حرارية منخفضة الكربون، وضخ استثمارات بنحو 60 مليون جنيه في ابتكارات المضخات الحرارية، وتحسين العزل الحراري لمنازل الإسكان الاجتماعي باستثمارات قدرها 1.7 مليار جنيه، وتقليل الانبعاثات الحرارية من مباني القطاع الحكومي بنسبة 75 بالمائة.

وتأمل الحكومة البريطانية في أن تسهم الاستراتيجية الطموحة التي أعلنت عنها في توفير أكثر من 440 ألف وظيفة مرتفعة الأجور في مجال الصناعات الخضراء، فضلا عن ضخ استثمارات خاصة بنحو 90 مليار جنيه إسترليني في المشروعات الهادفة لخفض الانبعاثات الحرارية بحلول عام 2030.

وتهدف الحكومة من وراء الخطة إلى إنهاء اعتماد البلاد على الوقود الأحفوري، من خلال الاستثمار في الطاقة النظيفة المستدامة، والحد من التعرض لتقلبات أسعار الوقود عالميا، وتعزيز أمن الطاقة في المستقبل.

ولم تقتصر خطة بريطانيا للحد من الاحتباس الحراري على الجانب التكنولوجي فقط، بل امتدت إلى قطاع الشركات والقطاع المالي أيضا، فقبيل انطلاق قمة /غلاسكو/ بيومين أعلنت بريطانيا أنها ستصبح أول دولة من دول مجموعة العشرين تلزم الشركات الكبرى، بموجب قانون سيتم سنه في إبريل المقبل، بالإفصاح عن المخاطر والفرص والمعلومات المالية المتعلقة بالتغير المناخي وتأثيره على مشروعاتها وأعمالها.

ويرى مراقبون أن استراتيجية بريطانيا لمواجهة التغير المناخي تنطوي على تحديات اقتصادية كبيرة، خاصة أن اقتصادها مازال في طور التعافي من أزمة تفشي وباء /كورونا/.

وقد أشار إلى تلك التحديات السيد ريشي سوناك وزير الخزانة البريطاني، عقب الإعلان عن الاستراتيجية، عندما لفت إلى أن تمويل استراتيجية خفض الانبعاثات الحرارية سيتطلب نفقات كبيرة “في ظل تراجع عوائد الضرائب المفروضة على الأنشطة الاقتصادية التي تستخدم الوقود الأحفوري”، مضيفا أن الحكومة “ستنظر في إدخال تغييرات على الضرائب ومصادر الإيرادات الجديدة”.

وأعرب عدد من نواب حزب المحافظين عن مخاوفهم من أن استراتيجية حكومة جونسون لمكافحة التغير المناخي وما يترتب عليها من كلفة مالية قد يكون لها صدى سلبي لدى قطاع لا يستهان به من جمهور الناخبين في الانتخابات العامة المقررة في 2024، إلا أن فريقا آخر من داخل دوائر صنع القرار يرى أن الاستراتيجية قد تجتذب تأييد عدد أكبر من الناخبين الشباب المتحمسين لقضايا التغير المناخي أكثر من الأجيال كبيرة السن.

ويرد رئيس الوزراء البريطاني على المشككين في جدوى التحول نحو الاقتصاد الأخضر بالقول إنه خلال الثلاثين سنة الماضية، شهد الناتج الإجمالي المحلي البريطاني نموا بنسبة 78 بالمائة في الوقت الذي خفضت فيه البلاد انبعاثات الكربون بنسبة 44 بالمائة، مضيفا أن “خفض الانبعاثات يعني مزيدا من النمو ومزيدا من الوظائف ومزيدا من الفرص، ويجب العمل الآن للاستثمار في تكنولوجيا المستقبل النظيفة ودعم النمو الأخضر في أنحاء العالم لحماية كوكبنا للأجيال القادمة”.

وقد تبدو التحديات الاقتصادية والمالية والسياسية الداخلية صغيرة إذا ما قورنت بالآمال الكبيرة التي تعلقها حكومة جونسون على قمة /غلاسكو/، حيث لم يدخر الدبلوماسيون البريطانيون جهدا خلال الأشهر الماضية، في حث بلدان العالم المتقدم على الالتزام بتخصيص 100 مليار دولار لمساعدة البلدان النامية على التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، وتشجيع البلدان النامية على التخلي تدريجيا عن استخدام الفحم الحجري والانتقال إلى الطاقة النظيفة والتكيف مع تغير المناخ.

ويبقى التحدي الأكبر الماثل أمام بريطانيا في هذه القمة هو: كيف ستحصل على إجماع 200 دولة، على اختلاف أولوياتها وقدراتها ومشكلاتها الاقتصادية المعقدة، بشأن اتفاق لخفض صافي الانبعاثات الحرارية إلى الصفر بحلول عام 2050 لمنع زيادة درجة حرارة الكوكب عن درجة ونصف مئوية.

ويعقد البريطانيون آمالا كبيرة على قيام الصين والهند، وهما من أكبر البلدان التي تنبعث منها غازات الاحتباس الحراري، بتقديم تعهدات بخفض كبير في الانبعاثات الحرارية قبل بدء قمة “الفرصة الأخيرة”، فبدون تعهدات كبيرة وملزمة من هذين البلدين، والتزامات مالية كبيرة من جانب الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة، قد لا تتمخض قمة /غلاسكو/ عن انتصارات كبرى لرئيس الوزراء البريطاني وبلاده.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X