كتاب الراية

خواطر.. راحة بال

كل شيء يمكن تعويضه إلا الوقت والصحة

قالت لي إنّها عقدت النيّة يومًا لأداء فريضة الحج، وبدأت تتحرّى لمعرفة المزيد عن أداء المناسك قولًا وفعلًا، ومتابعة البرامج الدينية عن الأمور الواجبة والمستحبة قبله وخلاله، كسداد الديون وتصفية الحسابات الشخصية ورد الأمانات، وتوديع الأهل والأصدقاء.
جَمعت الرفاق قبل سفرها إلى مكة المكرمة، وكانت سعيدة بقدومهم، لتشكرهم على الصداقة الطيبة، ووقوفهم بجانبها على الحلوة والمرة، والاعتذار منهم عن أي تقصير أو كلام غير مقصود بدر منها خلال سنوات الصحبة، قائلة سامحوني يا جماعة، أريد أن أسافر مرتاحة البال، والكل حولها يردد: الله معك وربنا يسهل طريقكم، ويتقبل منكم وترجعوا بالسلامة، إلّا واحدة قالت لها بنبرة شك وفضول: «يجب أن أعرف أولًا، ماذا قلتِ عنّي لأقرر إذا كنت سأسامحك أم لا».
فساد الصمت ونظرات الريبة، بينما أجابت هي بروحها المرحة: «يا بنت الحلال، ماذا سأتذكر أم ماذا، كلام له أول وماله آخر» ثم ضحكت فجأةً ولم يتمالك أحد نفسه من الضحك.
الحقيقة أنها لم تتكلم عنها أو عن غيرها بسوءٍ يومًا، فهي مهذبة وقصيرة اللسان، لكننا لاحظنا أنها لسبب ما، لم تقترب منها ولم تجعلها من المُقرّبات، ربما كان لقاؤهما الأول كافيًا لتقييمها، والاحتفاظ بحكم مستتر عليها، فهي لا تتوسع في علاقاتها وتعتبر اختيار الرفاق حقًّا مشروعًا يختصر علينا اختلاق الأعذار والتهرب والعتاب، شريطة الاحتفاظ بأحكامنا الخاصة لأنفسنا.
ووجدتُها على حقّ، كانت دائمًا تُذكرني بمقولة غازي القصيبي رحمه الله: « وعُدت من المعارك لست أدري
علامَ أضعتُ عُمري في النزالِ»
وقالت: إنها حكمة يجب أن نتعلمها مُبكّرًا، كي لا يقف المرء يومًا أمام نفسه مُعتذرًا لجسده المُعاتِب وفكره المُرهَق، هو الزهد والترفّع عن متاع الغرور والنظرة المُجرّدة لكل ما حققه، هو أناس حاججهم ليفوز بوجهة نظره فقط، لا لشيء آخر، هو إجبار النفس على الصعاب لنيل الإعجاب والألقاب.
المعارك ليست دائمًا رصاصًا ودماء، والموت قد يأخذنا على مراحل من التحديات والنجاحات والهزائم النفسية والجسدية، كأن تموت في الجسد مليون خليّة عصبيّة في لحظة تعب وتوتر، وربّما ملايين منها في لحظة قهر وندم.
في حياتنا شخصيات مريحة متفهّمة، لا تجادل ولا تتدخل فيما لا يعنيها، وأخرى مُستحوِذة ونرجسية، لا يهدأ لها بال إلا إن كانت في الطليعة، تعرض معتقداتها قسرًا، وتنتقد المختلفين عنها بلا تهذيب، شغوفة بتصيّد الأخطاء للإيقاع بالغير، تتباهى بالتضحيات، وكلها أساليب مكشوفة لم تعد تستهوينا.
من قال إنّ السعي إلى التميّز ميزة، لمْ يذق لذة السلام النفسي، فأغلب الأهداف لا تتحقق إلا بالمنافسة التي قد تصل حد النِزال، ذلك المارد المغناطيسي الذي يمتصّ طاقتنا ووقتنا.
كل شيء يمكن تعوضيه إلا الوقت والصحة، فأهلًا بحقنا في الاختيار دون ضرر أو ضرار، ووداعًا لِما لا طاقة لنا به، من بشرٍ أو لقبٍ أو مكانة.
تقبّل الله منّا ومنكم صالح الأعمال، وأبعد عنّا وعنكم كل عقدة نفسية تحول بين المرء وراحة باله.

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X