كتاب الراية

عيالنا … التقدير المشترك!

تقدير الذات داخل الأسرة يصنع رجالًا يمتلئون ثقة بآرائهم وأفعالهم

توصّل أحدُ الباحثين إلى نظريةٍ مفادُها أنّه (إذا التقيتَ بشخصٍ لم ترَه منذ ثلاثة أيام ففكّر سبع مرّات قبل أن تكلّمه؛ لأنه قد تغيّر خمس مرات على الأقل!)، وهذه قاعدة نستطيع أن نستفيد منها في الحياة العامة، ناهيك عن الجانب التربويّ، لأننا أحيانًا نظنّ أنَّ ذلك الصديق الذي كنت معه في أيام الدراسة، مثلًا، هو نفسه اليوم بأفكاره وأسلوبه وأمانته، والإشكالية أنني أتعامل معه بهذه العقليّة القديمة، فهذا المثال قد ينطبق على من يرى أن عقارب الساعة واقفة وهي في الحقيقة تتحرك شيئًا فشيئًا، وهكذا نتعامل مع أبنائنا الصغار، دائمًا ما يغمرنا الشعور بأنّ أبناءنا كما هم ما زالوا صغارًا، وفي الحقيقة هم ليسوا كذلك بخاصة هذه الأيام، إن التطور السريع الذي يمر به المجتمع ليس في الجانب الصناعي فقط ولا العمراني، وإنما كذلك هناك تطوّر في عقليات وذكاء وفهم أبنائنا، إذن الواجب علينا أن نعيَ هذا الأمر، وأن نركبَ مع أبنائنا موجةَ التطور السريعة، وأن نفهمَ ذوات هذا الجيل، كيف يفكّر؟ وفيمَ يفكر؟ حتى نستطيع أن نصل به إلى برّ الأمان.

إنَّ الخطأ الفادح الذي يرتكبه بعض الآباء عندما يمارسون سياسة تربوية جميلة وصحيحة ويستمرون في هذه السياسة ولا يعملون حسابات التغيير الذي حدث لدى الأبناء، إن الأبناء في حاجة إلى شعور مُعيّن في سنّ معينة، فعلى سبيل المثال حاجة الابن إلى تقدير ذاته من الحوائج الضرورية والمهمة، حيث يحتاج منا إلى دعم حقيقي وتقدير لأفكاره وأعماله، فإذا لم يجد هذا التقدير خاصة، وهذه الرعاية خاصة في سِنِيّه الأولى تحديدًا فإننا كما ذكر الإمام الغزالي:- (وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم، والصبي إذا أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابًا حسودًا سروقًا نمّامًا لحوحًا ذا فضول وضحك… إلخ، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب).

فعندما نتكلم عن التقدير الذاتي فهذا أساس من أساسيات التربية ولنكن صريحين، إذا كان الأب أو الأم أو المربي لا يمتلك تقديرًا ذاتيًا لنفسه، لا يمكن أبدًا أن يربي أطفالًا متميزين ومتفوقين وناجحين، فعندما نبرمج أطفالنا على البكاء لامتلاك شيء ما، فعلى ماذا نربيهم؟ وعندما نعلمهم على الضرب ورفع الأصوات فعلى ماذا نربيهم؟ وعندما لا يحترم الأب الأم وخاصة أمامهم فعلى ماذا نربّيهم؟ وعندما لا يوقر الكبير في البيت فعلى ماذا نربيهم؟ بل وعندما لا تُحترم الخادمة في البيت فعلى ماذا نربيهم؟

إن تقدير الذات هو جانب عملي أكثر مما هو جانب كلام منمّق وجميل، إنّ تقدير الذات الذي نصنعه اليوم داخل الأسرة إننا في الحقيقة نصنع من خلاله رجالًا يمتلئون ثقةً بآرائهم وبأفعالهم فنجدهم دائمًا في المقدمة، والسبب في ذلك أننا زرعنا فيهم هذه الثقة التي يفقدها بعض الأطفال هذه الأيام. وهنا نتذكر سلف هذه الأمة كيف كانوا يربون أبناءهم على الثقة بالنفس حتى يصل الحال بغلام في الحادية عشرة من عمره بأن يشارك في مجلس يضمّ كبار الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، أو كما نقول هذه الأيام: (كبار رجالات الدولة) في عهد سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ألا وهو ذلك الفتى الغلام عبدالله بن عباس، رضي الله عنهما، إن هذه الثقة التي أُعطيت لهذا الغلام الصغير لم تأتِ من فراغ، وكانت هي المكملة ليكون أحد عظماء هذه الأمة العظيمة، هذا نموذج علينا أن نحتذي به لنربّي رجالًا يتركون بصمة في التاريخ.

مستشار تربوي بمركز إعداد التربوي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X