fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. تعدّد الزوجات في الإسلام.. الحكم والغايات

التعدّد حالة فرديّة تخضع لخصوصيات العلاقات الزوجيّة وأسرارها.. وليس مجالًا للجدال والتّفاخر

جاء الإسلام بمجموعةٍ من التشريعات التي تُنظم حياة الإنسان وتُحقق له غايات وجوده على هذه الأرض، وتضع له معالم العيش والكد والحياة وَفق ضوابط تتناسق مع الهدف من وجوده ومع مُتطلبات النفس وحدودها. ومن هذه التشريعات التي نظّمها الإسلام ووضع لها نصوصًا تُنظمها، تعدّد الزوجات. فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: «وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا». (سورة النساء، الآية: 3). فهذه الآية المُحكمة المبنى والمعنى، جعلت من التعدّد وسيلة لا غاية، وجعلت له شروطًا، وليس مطلقًا. ففتح الله لعباده باب التعدّد إلى حد الأربع نسوة كوسيلة للقسط والإحصان، وذلك بشرط العدل بينهن، وتوفير ظروف العيش الكريم لهن وتحقيق مُتطلباتهن النفسية والفيزيولوجية والاجتماعيّة.
لكن المؤسف أن ما نعيشه في مُجتمعاتنا الإسلاميّة وما نراه من تفاخر بالزواج من ثانية وثالثة. فترى الرجل يجلس أمام أصدقائه ويصيح بأعلى صوته ويتبختر فقط لكونه استطاع أن يجمع امرأتين أو أكثر في ذمته، كأنه بذلك حقق إنجازًا عظيمًا يذكره له التاريخ، أو بأن ذلك دليل على فحولته وقوته وبأنه هرقل زمانه!
بل إن بعض هؤلاء الفارغين يستهزئون بغيرهم، وينعتونه بأنه جبان يخاف من زوجته، وبأنه ضعيف في شخصيته وقدراته، فقط لأنه رضي بزوجة واحدة، ورأى أن عظمة الشخص وقيمته لا تُقاس بهذا القياس، وفهم أيضًا روح الآية الكريمة وما تتضمنه من شروط وقيم تعلو عن الفهم السطحي. فلا يكفّ الآخر عن الوسوسة له حتى يقتدي به ويسلك مسلكه، فتارة يأتيه من باب الرجولة والفحولة، وتارة أخرى ينعت زوجته بالعجوز وبأنها لم تعد تصلح للمُعاشرة، ناسيًا أو مُتناسيًا تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت».
فالذي يجب أن يعلمه هؤلاء أن التعدّد كشرع ليس عبادة تزيد الحسنات بزيادة عدد الزوجات، وإنما هو شريعة، يخضع لأحكام الشريعة وشروطها، فتارة يكون واجبًا وتارة يكون مستحبًا وتارة أخرى يكون مكروهًا أو حتى مُحرمًا. وذلك راجع لظروف الشخص وحالته الصحية والأسرية والاجتماعية والاقتصاديّة، وراجع أيضًا لظروف المُجتمع وسياقاته.
إذن فالتعدّد ليس بالأصل كما يتوهم المُعدِّدون، كما أنه ليس مُحرمًا كما يظن الذين لم يعدِّدوا، إنما هو تشريع إلهي حكيم من رب عليم قدير، يعلم أن من الناس من تمرض زوجته فلا تستطيع أن تقوم بواجباتها معه، فهل الأفضل أن يطلق الزوجة المريضة ويتركها تواجه قسوة الحياة وحدها، أم يبحث عن خليلات يفرغ معهن رغباته في الحرام، أم أن الأنسب للمُجتمع ولأطراف العلاقة أن يُحافظ على الزوجة المريضة ويتزوج بأخرى تقوم به وبها. إلى غيرها من الحالات التي قد تجعل التعدّد هو الأصلح أو تجعله مكروهًا حسب الظروف المُحيطة بكل حالة على حدة.
فالتعدّد إذن هو حالة فردية تخضع لخصوصيات العلاقات الزوجيّة وأسرارها، وليس مجالًا للجدال والتفاخر. فالله تعالى لم يدخل في ذكر الأسباب وتعدادها، وإنما ترك ذلك للإنسان. فالمهم هو العدل بين الزوجات في حالة التعدّد، فهو الغاية أصلًا منه كما أنه شرط فيه.
فعظمة الشرع أعفتك عن بيان السبب، والعدل التام أن تعدل بين الزوجتين، أو بين الثلاث، أو الأربع في كل متطلبات الزواج من إنفاق أو مسكن أو مبيت. فالمطلوب هو العدل التام، ولم يُطالبنا بالعدل المُطلق، فالله تعالى يعلم أننا لسنا قادرين على تحقيق العدل المُطلق، لأن الزواج تتدخل فيه مجموعة من الأمور النفسية والعاطفية والتي يستحيل للإنسان أن يضبطها بالمُطلق. فالرسول صلى الله عليه وسلم كأعظم البشر وأعدلهم لم يتمكن من تحقيق هذا العدل المُطلق، ببساطة لكونه إنسانًا. فقد جاء في حديث ابن حبان عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك».
فقلبك ليس ملكك، فقد تميل للتي لها كلام طيّب، أو لها شكل جيّد، أو جاذبية مميّزة، وقد تنفر من التي لها قسوة في حديثها، وقد يعلو صوتها على صوتك، ولهذا لم يطالبك خالقك بالعدل في الميل، ولكنك مُطالبٌ بالعدل في الإنفاق والسكن والوقت.

 

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X