كتاب الراية

عيالنا.. أتمنى أن أموت!

وجود الخطأ ليس هو المشكلة .. وإنما في طريقة حل هذه المشكلة

وقفت عاجزًا عن الكلام وأنا أسمعُ هذا التمنّي من ذلك الشابّ الذي يدرسُ في الصفّ الأوّل الثانوي، أي في بداية شبابه وانطلاقتِه للحياة، وهو يتمنّى الموتَ وليس أيّ موت، أكمل حديثه معي ليقول: أتمنّى أن أموت بمرض السرطان ووالدي ينظر إليّ، لأنتقم منه! قلت له: ما الذي جرى بينك وبين والدك فأخبرني بقصّته.

قال لي: أستاذ أنا شابّ مدخّن واقتنعت أخيرًا بأنّ التدخين مُضرّ، وكذلك ليس فيه فائدة، وليس كما سمعتُ عنه، فقرّرت أن أترك التدخين بعد أن أنتهي من الامتحانات، وفي هذه الفترة اكتشف والدي (المُدخن) أنّني أدخن، فقلت له: وما هي ردّة فعل والدك عندما علم أنك مُدخّن مثله؟، قال: يا أستاذ ضربني بطريقة وحشيّة، ضربني ضربًا لا أستطيع أن أصفه، ولم أكن أعلم أنه يمكن لأب أن يضرب ابنه بهذه الطريقة المُتوحشة، فقلت له: من خوفه عليك حتى تترك التدخين ففاجأني بالإجابة وهو يقسم بالله أنه لن يترك التدخين بل سيدخّن بشراهة حتى يصاب بمرض السرطان الذي صار أمنيته حتى يموت بهذا المرض كردّة فعل عكسيّة منه تجاه تصرّف والده.

وأنا أكتب هذا المقال وهذه القصة المؤلمة، قرّرت ألا أعلق عليها وأختم القصة بكلمة: «لا تعليق»، ولكنني تراجعت في ذلك، وقلت في نفسي لعلّ هذا الأب بتصرّفه الخاطئ هذا يحتسب الأجر من الله، لأنه قام بتأديب ابنه ليكون رجلًا صالحًا، فأحبّ أن أوجّه رسالتي لهذا الأب المسكين الذي أعانَ ابنَه على العقوق، عكس ما أمرنا النّبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: « رحم الله رجلًا أعانَ ابنه على برّه».

سؤالي لهذا الأب: هل أعنت ابنك على برّك؟! دائمًا ما نقول للآباء والأمهات والمُعلمين: إن وجود الخطأ في حد ذاته ليس هو المشكلة أو الكبيرة التي لا تُغتفر، وإنما الإشكاليةُ تبدأ دائمًا في طريقة حلّ هذه المشكلة.

فكم من خطأ حوّل صاحبه ليكون من أولياء الله الصالحين، وكم من خطأ صدر بقصد أو بغير قصد فوجد من يعالجه علاجًا تربويًا صحيحًا فأصبح هذا المخطئ مصلحًا، وهذا المريض طبيبًا يداوي أمراض المجتمع، فوجود الألم ليس هو المشكلة الكُبرى، ولكن المشكلة إذا كان مَن سيتولّى العلاج نجارًا أو حدادًا بدل أن يكون طبيبًا، هنا قد تكون نهاية المريض.

إنَّ ردة فعلك للخطأ الأوّل لابنك هو ما يترتب عليه ما بقي من حياته، فإذا واجهت هذا الخطأ بهذه الطريقة فهل تتوقع من ابنك هذا أن يشكو لك مشكلته، أو أن يُصارحك بما لديه من هموم، إننا نقدّم استقالتنا التربوية من البيوت بسبب هذه التصرّفات اللامسؤولة، بل إننا نقدّم للمُجتمع قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، ولكن أين سيكون الانفجار؟، قد يكون هذا الانفجار في الأب أو الأم أو المعلم أو السيارة أو الشارع.

أحبُّ أن أقول لهذا الأب: « إنّك بهذا التصرف أغلقت أغلب الأبواب والنوافذ التي تستطيع من خلالها أن تدخل إلى ابنك «، فلا أدري لماذا افترضت فيه العصمة، ولماذا أيضًا افترضت أنه أقوى منك في رفضه للتدخين؟!.

 

مستشار تربوي بمركز إعداد التربوي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X