fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. صراع ديكة

النقاش مع هؤلاء ومحاولة الدخول معهم في جدالاتهم العقيمة.. لا يأتيان بأي نتيجة

إن من الأمور والظواهر التي نلاحظها جميعًا في مجتمعاتنا، أنه في بعض الأحيان وحينما تكون جالسًا في المقهى أو في العمل مع الزملاء، تتبادلون أطراف الحديث في موضوع ما، قد يكون اجتماعيًا أو سياسيًا أو دينيًا أو غيرها من المواضيع التي يحب الكل الخوض فيها. فترى أن الكل صار سياسيًا أو عالم اقتصاد أو مفكرًا اجتماعيًا محنكًا يعطي الآراء التي لا تقبل المعارضة، وتراه يقدّم أطروحات ونظريات دون علم، ويجادل بصوت عالٍ، بل قد يصل إلى التنقيص من غيره، لأنه بيّن خطأه أو عارضه في فكرة معينة.

ولعلّ من المواضيع الجديدة التي يحلو للكل أن يتحدّث فيها ويناقشها موضوع جائحة كورونا وما يرتبط بها، حيث أضحى الكل طبيبًا وعالم فيروسات، فلا تسمع إلا من يفتي في الطب ويكذّب هذا ذلك، ويسخر ذلك من هذا، دون أي دليل من أحد ودون أي علم وتخصص فعليين، فكل مصادرهم لا تعدو أن تكون نقلًا عن غيرهم أو ما سمعوه أو شاهدوه في بعض المواقع والمقاطع.

وتسمع من بعضهم أنهم يتناقلون روايات وأخبارًا ومعلومات عن حقيقة اللقاح وأنه مضر ومؤامرة لتدمير الإنسانية، وأنه صنيعة الماسونية العالمية للقضاء على المُسلمين، وأن اليهود يقفون خلفه من أجل السيطرة على العالم!

نحن هنا طبعًا لا ننكر دسائس اليهود والصراع بين الدول، ولكن لا يمكن أن نجعل هذا الأمر شماعة نعلق عليها كل شيء، وأن نجعل الفكر السطحي يقودنا دائمًا للشك في كل شيء في واقعنا.

إن النقاش مع هؤلاء ومحاولة الدخول معهم في جدالاتهم العقيمة، لا يأتيان بأي نتيجة، وإنما هو مضيعة للوقت والجهد. ولا أتحدّث هنا من فراغ، فقد جالست الكثير منهم، ووجدت أن نقاشاتهم غير منطقيّة ولا تعتمد إلا على إعلاء الصوت كوسيلة للإقناع، ومن الصعب أن يغيّروا رأيهم ولو ناقشتهم لساعات، بل لأيام، ووجدت أنني كما يقول الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيًا

ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نارًا نفخت بها أضاءت

ولكن أنت تنفخ في الرماد.

إن مثل هذا الأسوب في النقاش لا يؤتي ثماره أبدًا ولا يقدم أي شيء للذين تتناقش معهم، فالأسلوب الذي علينا أن نعتمده في نقاشاتنا وأحاديثنا، يجب أن يكون مبنيًا على النسبية وأنه لا وجود لحقيقة مطلقة، فكما يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». فالمفكر الحقيقي هو الذي يبحث عن الحقيقة دائمًا ويناصرها ويحترمها، ويحاول إبرازها لذاتها وليس لقائلها.

وقد سئل أينشتاين ذات مرة عن الفرق بينه وبين الإنسان العادي فقال: «إذا قلتَ للإنسان العادي أن يبحث عن إبرة في كومة قش، فسوف يتوقف ذلك الشخص عن البحث حين يعثر على الإبرة، أما أنا فسأقفز على الكومة بحثًا على الإبر المحتملة». فالمُفكر الحقيقي، سواء كان إنسانًا عاديًا أو متخصصًا، يجب ألا يقنع بالآراء الموجودة وبالأطروحات الأولى التي وجدها، وإنما لا بد أن يكون في أمل دائم ومُستمر لإيجاد شيء جديد.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X