fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة … الشائعات.. وفن التعاطي معها

تعدّ الشائعات في مستوى المنظمات عدوًا خطيرًا للاستقرار والنجاح

مليحة عبدالكريم الشافعي

عام 2018، تجرّعت عملاق التكنولوجيا الروسية «ياندكس» خسارة أكثر من مليار دولار خلال دقائق معدودة بسبب شائعة خادعة انتشرت كالنار في الهشيم تفيد ببيع حصة من الشركة لمصرف روسي، ما أدّى إلى انخفاض أسهمها في بورصتَي موسكو ونيويورك.

خلال دقائق فقط خسرت الشركة هذا المبلغ الخيالي بمجرّد إطلاق شائعة، ولكم أن تتخيّلوا حجم الخسائر والكوارث التي تتجرّعها الدول والمنظمات والأفراد بسبب الشائعات التي تبثّ بشكل يومي وعلى مدار الساعة، وكل يوم تأخذ شكلًا من أشكال التطوّر وتُساق بصور مختلفة من الحبك والدراما حتى يصدّقها الكثير من الناس.

الشائعات داء قديم ومتجدّد، ويقصد بها الأخبار والمعلومات غير الموثوقة والمتداولة بسرعة بين الناس، وقد تكون الشائعات مُختلقة لهدف محدّد ويتم متابعتها ودعمها من الجهة التي اختلقتها، وقد تكون مجهولة المصدر، وتختلف آثارها حسب نوع الشائعة ودرجة ارتباطها بالناس ومصالحهم.

تكمن خطورة الشائعة في قدرتها على الانتقال السريع بين الناس دون تدقيق أو تمحيص، ويمكن أن تتحوّل إلى خطر كبير وتتسبب بآثار مدمّرة على مستوى الأفراد، والمنظمات، وعلى مستوى الدول أيضًا.

والخطورة في موضوع الشائعات، أنّنا اليوم نعيش في زمن السرعة، وسهولة توفّر وسائل وأدوات التواصل الاجتماعي، وأصبح الفرد منّا يتلقّى يوميًا عددًا مهولًا من المعلومات والأخبار المُضلّلة، بل أصبحت جهات عديدة تمارس حرب المعلومات والترويج للإشاعات، ما زاد من خطورة انتشارها وخطر أثرها، وكم تابعنا خلال العامين الماضيين من شائعات وأخبار مفزعة حول فيروس كورونا حتى قال أحدهم: إنّ فيروس الشائعات أصبح أخطر وأسرع من فيروس كورونا ذاته.

في مستوى المنظمات تعدّ الشائعات عدوًا خطيرًا للاستقرار والنجاح، وكثيرًا ما وقفت شائعة أطلقها موظف مغمور وراء خسائر فادحة وانهيارات غير متوقّعة لمنظمة كانت في قمة العطاء والمنافسة، ولذلك يدرك قادة المنظمات المحترفون خطورة الشائعات وسرعتها في الانتشار والتفاعل في أوساط العاملين بالمنظمات.

ومن هنا تأتي أهمية المعرفة بأسس التعاطي مع الشائعات وتقليص تداعياتها، ويأتي في صدارة ذلك ضرورة التثبت والتحقّق من الأخبار والمعلومات وتقصّي مصادرها الأصليّة حتى لا نقع في فخ القبول بالشائعات وتحمّل وزر نقلها للآخرين، وهذا منهج رباني من قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (الحجرات:6).

وعندما يتعلّق الأمر بالشائعات في أوساط العمل، فلا تكتفِ بأن تتأكّد منها فقط، بل من مسؤوليتك أن تساهم في دحض الإشاعة وإبطال تأثيرها في أوساط العمل، فخطورة الشائعات في العمل تؤثر على علاقات الموظفين بالقيادة العُليا وعلاقتهم ببعضهم، وقد تؤثر على مستوى الإنتاج، وخسارة كفاءات وظيفيّة، ما لم تتمتّع الإدارة بالمهنيّة والحكمة في إدارة تأثير الإشاعة.

ومن أهم وسائل مكافحة الشائعات في بيئات العمل، استخدام أسلوب الصراحة والشفافية والتواصل الفعّال عن طريق أشكال مختلفة مثل الاجتماعات العامّة لتوضيح الحقائق، وإثبات عكس ما يُشاع عنه من أخبار في أرض الواقع وغيرها من الأساليب، ودائمًا تشكّل الشفافية في بيئة العمل حاجز صد أمام انتشار الشائعات، ودافعًا لدى العاملين لعدم تصديق كل ما يُشاع.

بالتأكيد لا توجد وصفة سحريّة لمعالجة الشائعات التي تموج من حولنا، لكن المسؤولية تتضاعف على الفرد أولًا وعلى المنظمات والدول في مكافحة هذا الداء المؤثر، والفيروس المنتشر في كل مكان، من خلال توضيح الحقائق وتحقيق الشفافية والتحرّك المبكّر لقتل الشائعة في مهدها، وتبقى مسؤولية الأفراد أمانة أخلاقيّة في تجنّب إطلاق الشائعات أو نقلها وترويجها، وتلك أمانة ذاتيّة محلها الضمير الحيّ.

استشاري تدريب وتنمية بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X