fbpx
كتاب الراية

أزمة الحاويات.. إلى أين؟

ارتفاع التضخم وزيادة أسعار السلع وإرباك الاقتصاد العالمي

يجب إعادة هيكلة المخزون والتسعير وتنويع السلع

ترشيد الاستهلاك والاعتماد على البدائل المحلية والاستثمار في الصيانة.. من الحلول

يمثل قطاع الشحن أهمية كبيرة في حياتنا؛ نظرًا لاعتمادنا عليه في الحصول على احتياجاتنا الأساسيّة من المواد الغذائيّة والملابس وقطع الغيار والمواد الأوليّة، وغيرها من الأغراض التي يحتاجها الإنسان في حياته اليوميّة، علاوة على مستلزمات الإنتاج. وهنا فإن المقصود الشحن البحري الذي يعاني من أزمة عميقة منذ شهور طويلة، نتج عنها ارتفاع معدّلات التضخم حول العالم وزيادة في أسعار السلع وإرباك الاقتصاد العالمي.

وعند الحديث عن التجارة الدوليّة فإن الكثيرين يركزون اهتمامهم على الجانب الأيديولوجي المتمثل في الصراع بين العولمة والحمائية والصراع بين القوى الكبرى والتوازنات التجاريّة. لا سيما ما يدور من حرب تجاريّة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكيّة بجانب الاتفاقيات الدوليّة المرتبطة بهذا المجال. وفي الحقيقة فإن هذا التفكير وهذه النظرة تُسقط من حساباتها شيئًا يراه البعض بسيطًا أو غير مؤثر أمام مثل هذه الأمور الكبيرة، وهذا خطأ كبير. وهذا الشيء هو «الحاويات» التي تلعب دورًا محوريًا في تعزيز التجارة الدوليّة. ومن هذا المنطلق فعند الحديث عن المشاكل والصعوبات التي تواجهها سلاسل التوريد، فالنقاش يتركز على عمليات الشحن البحري، حيث تنقل أغلب السلع والبضائع بين القارات عن طريق البحار والمحيطات. وهذا يؤكّد المكانة الكبيرة للحاويات وأنها وإن كانت مجرد صناديق فولاذية بأحجام مختلفة إلا أن تأثير هذه الصناديق كبير جدًا في مسار التجارة الدوليّة وعلى مدى توافرها تتوقّف مدى انسيابية حركة التجارة.

وقبل اختراع الحاويات، كانت عملية الشحن وترتيب البضائع على ظهر السفن مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا يساوي أحيانًا الفترة الزمنيّة ذاتها التي تقضيها السفينة في الإبحار من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول. هذا علاوة على المخاطر التي تحيط بالعملية ذاتها سواء لنقل البضائع أو للعاملين في هذا المجال. ومع تزايد الحاجة إلى الحاويات في نقل البضائع وظهور الأحجام العملاقة منها فقد تطلب الأمر إحداث تغيرات جذريّة في البنية الأساسيّة لأرصفة ومنصات الموانئ وتهيئتها، لتكون مستعدة لاستقبال هذه الأحجام من الحاويات ونقلها من السفينة إلى رصيف الميناء. كما تمّ تطوير سفن الشحن ذاتها لتكون قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الحاويات فقد كانت القدرة الاستيعابيّة لأول سفينة حاويات في العالم لا تتجاوز حاجز 58 حاوية فقط، الآن تصل قدرة السفن على حمل الحاويات إلى رقم يتجاوز عشرين ألف حاوية وربما أكثر للسفينة الواحدة. مع مراعاة الحفاظ على الحاويات في درجات حرارة ملائمة للإبقاء على ما بداخلها من أطعمة ومواد غذائيّة بعيدة عن التلف. وبذلك فإن الحاويات أحدثت نقلة نوعيّة كبيرة في النقل البحري كمًا وكيفًا من خلال استيعاب كميات كبيرة من البضائع وخفض تكاليف الشحن من جهة، وضمان سلامة البضائع من التلف من جهة أخرى.

ويحتلّ النقل البحري نسبة 90% من تجارة البضائع العالميّة التي تتحرّك عبر المياه الدوليّة، أما ال 10% المتبقية فتُنقل عبر الطائرات أو الطرق البريّة. ووفقًا ل «الاتحاد الدولي للشحن» ، فإن الخطوط الملاحية مسؤولة وحدها عن نقل بضائع بقيمة 4 تريليونات دولار سنويًا. وتشير الأرقام الدوليّة إلى وجود أكثر من 170 مليون حاوية شحن في جميع أنحاء العالم، تستخدم لنقل نحو 90 في المئة من البضائع على المستوى الدولي. ويواجه العالم الآن أزمة كبيرة في نقص عدد الحاويات المطلوبة لتلبية الطلب على التجارة الدوليّة. ويرجع السبب الرئيس وراء ذلك إلى أن الصين تمتلك أكثر من نصف هذه الحاويات وهي مصدر ومخزون العالم للمنتجات. وهذه الأزمة موجودة قبل أزمة «كوفيد-19» ولكنها لم تظهر ولم يشعر العالم بها نتيجة الإجراءات الاحترازيّة وما نتج عنها من تقليل الإنتاج والصادرات في العالم، كما ساعد انخفاض أسعار النفط في عدم إظهار هذه الأزمة ووضعها في حجمها الحقيقي أيضًا، حيث نجد أن النفط هو المحرّك الأساسي لاقتصادات العالم. وقد وصل الأمر إلى حد الاحتكار، حتى إن بعض التقارير تقول إن الصين تدفع حاليًا أسعارًا مميّزة للمستوردين لإعادة الحاويات فارغة، ما يجعل إرسال الصناديق الفارغة أكثر ربحية بدلًا من إعادة تعبئتها، كما أن خطوط الشحن ترفض الحجوزات الصادرة، حيث إنها تريد الإسراع بإعادة الحاويات إلى الصين وهذا يلحق الضرر بشركات الشحن الصغيرة والمتوسطة.

وفي ظل هذا العجز الحاد من الحاويات نشأت سوق سوداء للحاويات. وألقت الأزمة بظلالها على حركة الشحن البحري. فقد ارتفعت أسعار الحاويات الجديدة خاصة في الصين، إذ قفز سعر الحاوية الجديدة من 1600 دولار العام الماضي إلى 2500 دولار الآن، كما ارتفعت أسعار التأجير بنسبة 50 في المئة. وتضاعفت أسعار الشحن حوالي 4 أضعاف. وتبلغ خسائر العالم 5 تريليونات دولار حسب تصريح صندوق النقد الدولي.

ومع أزمة الحاويات فإن التجارة العالميّة تتأثر حتمًا ويحدث اضطراب في سلاسل التوريد العالميّة. وبالطبع يساهم ذلك في ارتفاع معدّلات التضخم، وذلك مع قيام المستوردين بنقل تكلفة الشحن إلى العملاء، وبالتالي ارتفاع أسعار الكثير من السلع، لأن التاجر سيكون مجبرًا على إضافة تكلفة الشحن لسعر البضاعة، حتى لا يبيع بخسارة. لا سيما السلع ذات الأحجام الكبيرة التي تأخذ مساحة في الحاويات. بما في ذلك السلع الواردة من الصين ذاتها التي تتمتع بأسعارها الرخيصة، ولكن مع أسعار الشحن الحاليّة فإن ميزة التكلفة المنخفضة بالاستيراد من الصين لم تعد موجودة. وما يزيد الأمر تعقيدًا التوجيه من الحكومة الصينيّة نحو تخزين المواد الغذائيّة، بالإضافة إلى تخزين المواد الأوليّة من أجل تعزيز الاستمرار في عملية الإنتاج لتغطية السوق المحلية.

وأمام هذه الأوضاع وفي ضوء انفتاح السوق والاستيراد في العالم يجب العمل بمفهوم إدارة المخاطر. لذا لا بد من إدارة المخازن وتعزيز عملية التدفقات النقديّة. وإعادة دراسة سياسة تسعير السلع، لأن التجار يبرّرون بأن التكاليف ارتفعت لذا يجب أن يتحمّلها العميل، ما يفقد حصة من السوق. كما يجب إعادة هيكلة المخزون والتسعير وتنويع السلع، حتى يمكن المحافظة على رصيد التجار من العملاء والمستهلكين. ومن ناحية المستهلك يجب إعادة دراسة ميزانية الأسرة والتركيز على الاحتياجات الضروريّة والعمل على زيادة الأرصدة النقديّة وتعزيز مبدأ الادخار.

وهناك بعض الحلول يمكن الأخذ بها وهي: ترشيد الاستهلاك، صيانة الأجهزة وتطويل عمر المنتج، الاعتماد على البدائل المحليّة، الاستثمار في الصيانة، رفع كفاءة خطوط الإنتاج، توطين صناعات قطع الغيار، رفع كفاءة إنتاج العاملين وتحسين مستوى الأداء، تعزيز الاستثمار في الأمن الغذائي، البحث عن أسواق أخرى وقريبة، زيادة الاعتماد على النقل البري وإقامة مخازن استراتيجيّة.

وأخيرًا، يجب على الدول أن تشكّل فريق طوارئ أو لجنة أزمات لدراسة الوضع، قبل أن تتفاقم هذه الأزمة وتتسبب في ارتباك لمسيرة التنمية وتوقف الأنشطة الاقتصاديّة.

باحث اقتصادي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X