fbpx
كتاب الراية

تجربة حياة … ما بين العقل والحب

عندما يكون العقل ضابطًا لإيقاع الحب ووصيًا على المشاعر

غريبة هي العلاقة التي لا ينتهي الحديث عنها، ولا التعرض إلى مدى توازنها في كل مرة يحدث فيه تردد في الاختيار أو في الحكم على أي وضع من الأوضاع المرتبطة بها وهي العلاقة ما بين القلب والعقل.

إنه من المتعارف عليه أن القلب عندما يسكنه الحب يمضي في اختياراته وفي حكمه تجاه مَن يحب فقط ضمن المسار الذي يرضي هذا الساكن العزيز بداخله، متغاضيًا عن أن يسلك أية مسارات أخرى -في التفكير أو التصرف- من شأنها أن تزحزح ولو قيد أنملة مكانة هذا الحب أو تمس وجوده. والسبب بكل بساطة أن الحب كإحساس داخلي يأتي إلى القلب عبر المشاعر دون استئذان ونحن في واقع وحقيقة مقدرتنا على التحكم بهذه المشاعر وعلى منع دخوله منها يكاد يكون شبه معدومًا لأن المشاعر هي بنت العاطفة والعاطفة عصيّة على قراراتنا، حتى عندما نختار التصرف بخلاف ما تحمله من حب أو كره فهذا لا يعني بأي حال بأنها انصاعت لنا أو أنها لم تعد موجودة.

إن الحب عندما يحل في القلب يكون الأنس الذي يلف وحشة الروح، اللطف الذي يكسر جدية الحياة ورتابتها، إنه يتخطى التفكير في مواجهة وجوده ويسبق الوقت في إحلال تأثيره، إذ ما يلبث أن يدخل قلوبنا حتى يغرس في حناياها بذور الجمال الذي يكتنفه فنشعر وكأن الدم الذي يجري في عروقنا قد ناله من زرع هذا الجمال حصاد شعوري رائع لا يمكن وصفه وإنما فقط الإحساس به والرغبة بأن لا ينتهي، وذلك مهما كان العقل بالجانب الآخر مشغولًا بوضع آليات للتحكم بوجود هذا الحب وصولًا إلى إخفات شعلته وإيقاف تأثيره.

ولأن الحب قوي في فرض وجوده، مقاوم لكل محاولات إلغائه ومغرٍ بما يحمله من عطاء شعوري وتأثير روحي جميل، فإن إطلاقه بقوته هذه على ماهيته سوف يحيله إلى طفل تدلل دون ضوابط، لبيَ في مطالبه دون حدود حتى عاث في حياتنا ضررًا واستحال في تفلته أذًى ومعاناة.

وما بين هذه القوة الجامحة للحب وبين الحرص على ترويض وجوده بما لا يحدث فينا جروحًا ليس بمقدورنا معالجتها إلا بتركها للأيام، جروحًا سوف تترك بأغلبها ندوبًا أو على الأقل ذكرى لن تُمحى، يكون الخلاص هو السماح للعقل بأن يؤدي دوره، ولرجاحته بأن تضع حالة الحب في ميزان تقديرها فنمسك مع العقل زمام التحكم بما نعيشه من فوضى مشاعر -لم يكن بمقدورنا منعها- ومع لغة منطقه حسن التصرف والأداء.

نعم إن الحب جميل في ذاته لكن جماله يحتاج إلى من يضبط إيقاع وجوده تجنبًا للضرر وإلى من يحرص الوصاية الدائمة على المشاعر منعًا من أية جروح تلحق بها… إن جماله لا يكتمل ولا يستمر إلا بالعقل.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X