fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. التشتت الرقمي

الهواتف الذكية أكبر الوسائل الرقميّة التي تدمر علاقاتنا وتزيد التوتر

يعدُّ التشتّت بكل أنواعه أحدَ آفات العصر التي يُعاني منها صغيرُنا وكبيرُنا، ولعل التشتت الرقْمي هو أحد أهم وأكبر هذه الأنواع، في هذا العصر الذي يُسمّى عصر الرقمنة بامتياز.

وعند حديثي عن التشتت الرقمي، فطبعًا سأتحدث عن الهواتف الذكية كأكبر الوسائل الرقمية التي صارت أشد أسباب التشتت لدينا. هذه الهواتف التي بها ندمر علاقاتنا، وتزيد مُستويات التّوتر لدينا، ولا نستطيع التحكّم في أدمغتنا، بل إنَّ أدمغتنا سارت أداة تتحكم فيها الهواتف وليس العكس!.

ومن أهم مظاهر هذا التشتت أننا نفشل في إنجاز أي شيء، ولا نجد الوقت الكافي لفعل أي شيء، مع أننا طيلة الوقت قد لا نفعل شيئًا. كما ننسى كيفية إنجاز المهام البسيطة مثل القراءة وغيرها، مما ألفنا عمله بيسر من قبل. ونفقد القدرة على أن نُعير الانتباه اللازم لأي شخص يتقاسم معنا نفس المكان، فحين نجلس في القطار مثلًا أو في المقهى أو حتى في البيت، نلاحظ أن الجميع يحدقون في الهواتف التي بين أيديهم، فلا أحد يتحدث مع الآخر. الجميع منهمكون في عالمهم الخاص وحيدون.

فمن المعتاد، بل ومن الضروري، عند أغلبنا أن نستخدم هواتفنا الذكية منذ لحظة استيقاظنا من النوم، حيث إن هاتفك في الحقيقة هو ما يوقظك من النوم، ويرافقك لحين إغماض عينيك من جديد، بعد ما اعتدنا فيما مضى أن نستيقظ على صوت الأذان وأصوات العصافير. ونقضي اليوم بعيدًا عن التركيز في أعمالنا، ودون أي وقت للعلاقات وللإبداع وللحياة ككل. ثم ننام على صوت قراءتنا للقرآن أو لبعض الكتب.

فالذي صار أكيدًا أنه لا يمكننا أن نركز في أعمالنا ونحن منشغلون بوسائل التشتت الرقمي. هذه الوسائل التي قد تشعرنا بالعصبية وعدم الرضا والضغط. وبالتالي لا نكون في كامل قوانا، وحضورنا الذهني والفكري، ونحن ننجز تلك المهام. فمثلًا على مستوى قيادة السيارة يقول البروفيسور في جامعة «يوتاه» والخبير في القيادة تحت تأثير التشتت ديفيد ستراير: «إنك أكثر عرضة بمقدار أربعة أضعاف للتعرض للحوادث أثناء القيادة وأنت تتحدث في الهاتف. ويصبح الخطر أكبر عند كتابة رسائل نصية، فتصبح أكثر عرضة بمقدار ثمانية أضعاف للتعرض للحوادث من السائق غير المتشتت». يترك أكثر من ٨٠٪ من مستخدمي الهواتف الذكية هواتفهم تعمل طوال الوقت، حتى عندما يذهبون إلى النوم، ويقر نصف هؤلاء المستخدمين بالاستيقاظ لاستخدام هواتفهم إذا أيقظتهم.

وهذا يعني أنهم يسمحون للرسائل النصية، والإطلالة على مواقع التواصل بأن تستدعيهم من أحلامهم الجميلة أو نومهم العميق!

حتى إذا كان هاتفك في وضع صامت، هناك جزء من عقلك يدرك أن هناك رسالة قد تصل في أي وقت. هل استيقظت من قبل في منتصف الليل لتتفقد إذا ما كانت قد وصلتك رسائل جديدة، بينما كنت نائمًا؟ إن تفقدك للرسائل قبل أن تغادر فراشك، يعني أن هناك آخرين يسيطرون على أفكارك قبل حتى أن تشرق الشمس.

يقول البروفيسور كاري كوبر أستاذ علم النفس في جامعة لانكستر: «نحن حاليًا خدم للتكنولوجيا، ويجب أن نتولى زمام الأمور ونصبح السادة».

نعم، إننا اليوم أمام مرض خطير جدًا يسمى: «التشتت الرقمي».

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X