fbpx
كتاب الراية

نقطة ومن أول السطر.. الرحيل

بكاء طفل يضحكنا وصمت آخر يبكينا.. من أرسخ سنن الحياة

تصادفت في إحدى ليالي الدوحة مع الصديق العزيز (فهد بن شبيب الدوسري)، اللقاءات غير المدبّرة جميلة، خاصةً مع شخص لا تشاهده كثيرًا وله مكانة في نفسك، تحدّثنا عن عدّة مواضيع، ولعلَّ أكثر ما شدّ انتباهي قصته مع شخص تربطه به علاقة جيّدة، يقول: في آخر اتصال هاتفي بيننا وبعد حديث جميل طلب مقابلتي، يقول: أجبته ب «أبشر، قريب نتواجه»، يقول فهد بعد فترة اتصلت به ليجيب أحد أفراد أسرته ويخبرني أنه انتقل إلى رحمة الله.

حديث فهد وسرده المميّز كعادته جعلني أفكر في عددِ المواعيد التي وضعناها تحت بند «قريب نتواجه»، الكثير من الشخصيات المميّزة والتي أخذتنا عنهم مشاغل الحياة تركناهم تحت رحمة تلك الجملة، عمومًا ضع وقتك أمامك واقتطع منه بعض الدقائق لتحقيق جملة «قريب نتواجه»، ربما هذا القريب قد يصبح «مستحيل نتواجه».

الأسبوع الماضي انتقل إلى رحمة الله أخ لي عزيز جدًا السفير (محمد بن عرار النعيمي)، كان رجلًا مميزًا في رفعة خلقه، زاملته سنوات لا أذكر أنه جاء على لسانه شيء يخالف سمو خلقه وطبعه الجميل، هناك من الرجال رغم عدم تعمّق معرفتك به إلا أنه ذو أثر عظيم جدًا عليك، لحظة حزينة حينما دخلت المسجد للصلاة عليه ليكون آخر العهد به، لقاء بعد عدد كبير من المقابلات معه، سوف نكون في نفس المكان ولكن لأول مرة لن أشاهد وجهه الباسم ولن أسمع ترحيبه الجميل وحديثه الهادئ، أتذكّر جيدًا آخر لقاء بيننا، حيث تفارقنا على وعد بلقاء، وعد يستحيل حدوثه الآن، عمومًا الحياة تطول بالأثر الجميل، بالذكر الجميل، بمحبة من حولك لك، هو والكثير مثله غيمة حضرت وأمطرت وغادرت بهدوء.

في كل صلاة جنازة أشعر بعدها بكل زهد في هذه الحياة، كم هي صغيرة همومي وتتلاشى أمام ذلك المشهد المهيب، تتزاحم الأيادي لحمل راحل لن يعود، تشعر بغصة وإن كنت لا تعرفه، فكيف إن كان بينكما ذلك الكم الكبير من الذكريات الجميلة، والحزن مضاعف إن غادر فجأة دون مقدّمات ودون وداع، أسأل نفسي دائمًا لو كانت هذه اللحظة معلومة كيف سوف يعانق الناس أحبابهم عند اقتراب تلك اللحظة؟

الحمد لله على نعمة الإسلام وما نملكه من اليقين برحمة الله والذي يعتبر مخدرًا جميلًا يؤجر صاحبه حين يسري في ذاته أمام كل تلك الصور المحزنة من الرحيل، كل من حضر في تلك اللحظة ليس بموعد مسبق، يحدث ضجيج في المسجد بعد التكبيرة الثالثة بتداخل الأصوات بدعائهم إلى الله للراحل بالرحمة، أقف كثيرًا عند جملة «اللهم نقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، يا الله ما أجمل أن تقابل خالقك بثوب أزهى ببياضه من ثياب العيد، وما زلت أختم صلاتي دائمًا بهذه الجملة «اللهم ارحمني إذا صرت إلى ما صار إليه»، نعم المصير محتوم ونستبق تلك اللحظة بالدعاء لأنفسنا قدر استطاعتنا، أخرج من ذلك المكان وقد تضاءلت همومي، بدت أمرًا تافهًا أشغلني من دون فائدة، أنظر إليها من مكان مرتفع فغابت عن مرمى ناظري، لله در النسيان كيف ينسينا تلك المواقف بعد برهة من الزمن، رحم الله كل مُغادر ذهب ولن يعود ليخبرنا عن ذلك المكان.

بكاء طفل يضحكنا وصمت آخر يبكينا، من أرسخ سنن الحياة، اللهم جازنا برحمتك لا بعملنا واغفر لمن غادر عالمنا ولم يغادر أنفسنا،،،

Twitter:khalifa624

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X